صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

ليلى قصراني: جغرافيا التهجير الأرمني بقلم سومر شحادة ...

ليلى قصراني: جغرافيا التهجير الأرمني

 

سومر شحادة

تندرج رواية «الطيور العمياء» (منشورات المتوسط) لليلى قصراني ضمن أدب يتصدى للمآسي الكبرى ويتّسم بسماته. في الرواية التي تتناول النفي القسري للأرمن، توثق الكاتبة العراقية آلامهم وتكشف قدراً كبيراً من العار الإنساني!
الرواية التي تأخذ اسمها من إحدى الأغنيات الأرمنية، تحدثنا عن أهالي قرية طورباراز في ديار بكر. تلاحق دروب أبنائها من الموصل إلى حلب ودير الزور، بعدما مات كثيرون منهم في الطريق؛ جوعاً أو قتلاً على يد الجندرمة الذين نهبوا ذهبهم واغتصبوا بناتهم. تجعل الكاتبة من مصير كوهار وأهلها محاكاةً لمصائر باقي الأسر المُهَجّرة، عبر سردٍ غني بتفاصيل القتل والتعذيب، إلى جانب الوصف الجمالي لما يتعلق بالأرمن ومعيشتهم. هذا ما جعل السرد ينهض على نقيضين يذوبان في لغة الكاتبة المرهفة، إذ تبني عالماً أرمنياً أخاذاً لتهدم بهِ عالم القتلة.
بالحديث عن عالم القتلة، نجد الضابط سلمان الذي يرى رسول الله في المنام طالباً منه ذبح 40 طفلاً أرمنياً في ساحة الكنيسة دون عمر السابعة.

ما نعتقده هوساً وأضغاث أحلام، يجعلنا ننتظر حدوث أمرٍ يردع الضابط عن تنفيذ هلوساته الجنونيّة. لكن لا شيء يحدث والمذبحة تتم بالأطفال، ونحن نقول، لا. تخبئ قصراني لغزاً، بذلك الاندفاع السلس تجاه فكرة قصية كالموت، كما لو أنّ المشهد واضحٌ أمامها، كما لو أنّها تراه بعينيها. لا يتوقف الضابط عن تلفيق المكائد ضد الأرمن والمطران بما يمثله لديهم. تُغلق الكنيسة، إيذاناً بترحيلهم إلى حيث لا يدرون، وتبدأ مسيرتهم في الصحاري والأتربة. يجوعون، وتهترئ أقدامهم قبل أن ينتهي من بقي صالحاً من رجالهم في مناجم الفحم.
تزخر الرواية بالعديد من الشخصيات التقليدية: الزعيم الكردي الذي يدافع عن الأرمن ويرفض سلوك جزء من الأكراد المقاتلين في صفوف الجندرمة. المرأة الأرمنية التي تقدم نفسها للعسكر كي تفدي الأخريات لكنها توصف من قبلهن بالعاهرة. المطران والشماس اللذان لا يكفان عن ذكر ربهما في الشدائد، ويمثلان قدوة للمتعبين ومواساة لهم.


تبني عالماً أرمنياً أخاذاً لتهدم بهِ عالم القتلة

الصيّاد الأرمني الخارج عن القانون الذي يحاول اغتيال الضابط سلمان، الحوذي الكردي الذي يمتثل لمن يُسيّره. تنقل الكاتبة زمان الحدث وهو عام 1915 عبر شخصياتها النموذجية والثرية، مع احتفاظها بحيز ضيق من التجريب في وعي الشخصيات عبر كوهار التي تتخذها الراوية أساساً لسرديتها. كلّ الأحداث التي توثقها الرواية، ما هي في النهاية سوى الأحداث التي عبرت فيها كوهار مع عائلتها. لكوهار أخوان وحبيب سرّي تصون عفتها من أجله فقط. يخرجون من القرية التي لم يُترك فيها سوى الأكراد والحداد الأرمني. وفي طريق التهجير يبدأ أحبتها بالسقوط عن متن الحكاية، واحداً تلو الآخر. تخسر والديها، بأشنع صورة متخيّلة، إذ يبقر العسكر بطنه ويطلبون من كوهار ووالدتها أن تبحثا في أحشائه عن ليرات الذهب التي كان قد ابتلعها بالفعل، كي يحافظ على ثروتهم أملاً بنجاة في أرضٍ ما. يهرب حببيها من الجموع ويمضي إلى مصير تتبعه الراوية. يصير بوغوص، هو فاضل صانع السروج الأمهر في الموصل. تنفصل والدتها مع الأخوين عن القافلة بعدما زوّجها الضابط لأحد عساكره الذي يتركها على مشارف قريته. تموت في العراء، ويتابع كلّ من هوسيب وكريكور طريقاً يجهلانه، يقودهما في النهاية إلى عائلة الشيخ غازي. فردان أرمنيان في عائلة مسلمة. تترك الكاتبة لكوهار جزء المأساة الأقسى، يجدها غريب ويأخذها إلى ماردين زوجةً أشبه بالمُغتصبة. تقتل ابنتها وتهرب مع طيف مريم الميتة برفقة تاجر أرمني إلى الموصل. تغلق الكاتبة في الموصل الحلقات السرديّة التي انفتحت من نهر الخابور إلى ديار بكر إلى حلب عبر جغرافيا التهجير والرعب.
يلفت القارئ شخصيتين لم تأخذا حيزاً سردياً يلائم فرادتهما، رغم نضوجهما واتساقهما مع المأساة التي راحت تضّج بها الصفحات. إنّهما الحداد الأرمني الذي بقي في طورباراز بأمر من الجندرمة العثمانية ليصنع السلاح ويعلّم حداديهم مهارته، قبل أن يطفح بهِ كيل تهجير جيرانهِ، ويفرّ من سلامهِ المخاتل والمُذّل إلى المجهول. الشخصية الثانية هي الأخ الأصغر لكوهار كريكور الذي يفقد القدرة على النطق جراء ما شاهده. يختفي من منزل الشيخ غازي عندما يذهب هوسيب لخطوبة واحدة من يتيمات الأرمن في حلب. بعد بحث مضنٍ؛ يجده يكلم الأشجار ويحاول منع تحطيبها في البراري. يعيده ويُؤمّله برؤية أخته كوهار في الموصل. لكن الكاتبة تعيد إحياء التهجير الذي طال الأرمن عبر مصير يتولد في منطق انتزاع الحياة من الآخرين.
يبرز في الرواية إصرار الأرمن على صون هويتهم الدينية وسط تسامح إسلامي في الموصل وحلب ودير الزور. إنّ كلاً من الشخصيات التي عاشت في كنف أسر مسلمة، كانت تكمل المشهد التوفيقي في النص. ومثلما استندت الجندرمة العثمانية في سلوكها إلى موروث ديني، لم تشأ الكاتبة تغييب إرث سمح في المقابل. هكذا تنتزع المأساة من بعدها الديني، وتصون النص في حدودهِ الأدبيّة متضمناً البعد الإنساني لمعاناة البشر في أزمنة القتل والتهجير، ورقتهم في وجه العنف العبثي!

عن الاخبار

بقلم سومر شحادة