صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

الإرهاب التكفيريّ والدين بقلم المطران كيرلّس سليم بسترس ...

الإرهاب التكفيريّ والدين بقلم المطران كيرلّس سليم بسترس

  

 

 

الإرهاب التكفيريّ يدخل في دائرة الدين، وجذوره هي جذور دينيّة. لذلك لا بدّ لنا من السؤال هل يتضمّن الدين ما يدعو إلى الإرهاب؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من تحديد الدين. الدين في أصله هو التعبير البشريّ عن علاقة الإنسان بالله، وعن الطريق التي يسلكها الإنسان للوصول إلى الله. لذلك لا علاقة للدين في الأصل بالإرهاب. ولكن هناك تفسير إرهابيّ للدين. فإذا اعتبر أتباع أيّ دين أنّهم وحدهم مالكو الحقيقة، وأنّ الله قد أوكل إليهم أن يزيلوا من العالَم كلّ كفر وكلّ ضلال، حينئذ يصير الدين سببًا في نشأة الإرهاب التكفيريّ. فالكافر، في نظر هؤلاء، لا حقّ له بالحياة.

 

وتاريخ الأديان التوحيدية القديم، أعني اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، مليء بأحداث من هذا النوع، حيث أبيدت جماعات برمّتها بسبب كفرها أو ضلالها، منذ احتلال اليهود أرض الكنعانيّين حيث أبادوا كلّ السكّان الأصليّين بحجة أنّ هؤلاء السكّان هم عابدو أصنام، وبالتالي نجسون، ولا يجوز أن تبقى نجاسة في أرض القداسة؛ إلى محاكم التفتيش في القرون الوسطى في الغرب المسيحيّ، حيث كان يُسجَن ويُقتل كلّ أصحاب البدع والهرطقات؛ إلى الفتوحات الإسلاميّة حيث كان يُقتَل المشركون إذا رفضوا اعتناق الإسلام، استنادًا إلى بعض النصوص القرآنية كالآية 5 من سورة التوبة: "فإذا انسلخ الأشهرُ الحُرُمُ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"؛ ويُرغم أهل الكتاب على دفع الجزية، استنادًا إلى الآية 29 من السورة عينها: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرَّمه الله ولا يدينون بدين الحقّ من الذين أوتوا الكتابَ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".
فالإرهاب التكفيريّ يقرأ اليوم هذه النصوص قراءة حرفيّة، بدل أن يقرأها ويفسّرها في سياقها التاريخيّ، الذي هو سياق حروب وفتوحات وغزوات. وأفصح مثال على ذلك ما قامت به الدولة الإسلاميّة "داعش" التي، لدى احتلالها الموصل وسهل نينوى في العراق، راحت تقتل اليزيديّين على أساس أنّهم مشركون، وتخيّر المسيحيّين "أهل الكتاب" بين الارتداد إلى الإسلام أو الهجرة أو دفع الجزية. وهكذا عادت إلى زمن الغزوات. وهذا يذكّرنا بما قامت به القاعدة في هجومها على برجي نيويورك في 11/9/2001، فدعته "غزوة نيويورك".
ثمّة نوع آخر من الإرهاب، تحتضنه معظم الدول الإسلاميّة، وهو يقوم على تهديد أيّ مسلم بالقتل إن ارتدّ إلى دين آخر، وذلك استنادًا إلى قراءة حرفيّة للحديث المشهور: "من ارتدّ منكم عن دينه فاقتلوه". في حين أنّ هذا الحديث، بحسب العلماء المسلمين المتنوّرين، تجب قراءته في سياقه التاريخيّ، أي في أثناء الحروب بين المسلمين وأعدائهم. فالمرتدّ عن دينه كان يُعَدّ مرتدًّا إلى مخيَّم العدوّ، فيُقتل ليس بسبب تغيير دينه بل بسبب خيانة أمّته. أمّا في الدين فيجب تطبيق النصّ القرآني الواضح "لا إكراه في الدين"، وهذا النصّ يمكن أن يكون أساس الحريّة الدينيّة وحريّة المعتقد في كلّ البلدان. فما الداعي اليوم إلى الحكم بالموت على من يرتدّ عن دينه إلى دين آخر إذا رأى بموجب ضميره أنّ هذا الدين الآخر يقرّبه إلى الله أكثر من الدين الذي ورثه من أجداده؟
لذلك فالقضاءُ على الإرهاب التكفيريّ يجب أن يتّخذ وجهين: وجهًا عسكريًّا بمحاربته، ووجهًا دينيًّا بإعادة تفسير النصوص الدينيّة تفسيرًا يتلاءم مع شرعة حقوق الإنسان العالميّة، التي تدعو إلى حرية الدين وحرية المعتقد. نأسف لأن تكون معظم الدول الإسلاميّة لم تقبل بكلّ بنود شرعة حقوق الإنسان العالميّة، إذ رأت في الدعوة إلى حرية المعتقد ما يناقض الشريعة الإسلاميّة. ولكن من ناحية ثانية ما يدعو إلى الرجاء هو التيارات الجديدة في الإسلام الذي يُدعى اليوم "الإسلام المعتدل". وهذا ما ظهر في مؤتمر الأديان العالميّ في الأزهر بمصر الشهر الفائت، والذي دعا إلى حرية المعتقد من خلال التركيز على المواطنة، أي على المساواة بين جميع المواطنين أياً كان دينهم أو مذهبهم.
وإذا أردنا أن ندخل إلى عمق موضوع الحقيقة الدينيّة، نسأل: ما معنى "الدين الحقيقيّ"؟ هل هناك دين حقيقيّ واحد أم يمكن أن تكون الحقيقة موجودة في أديان مختلفة؟ فالتكفيريّون المسلمون مثلاً يقولون إنّ هناك دينًا حقيقيًّا واحدًا هو الإسلام، وكلّ من ليس بمسلم فهو "كافر". إنّ المجمع الفاتيكاني الثانيّ، في بيانه المجمعيّ عن "علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحيّة" (رقم 2)، قد أدخل ثورة في مفهوم الحقيقة. إذ إنّه، مع تمسّكه بالإيمان بأنّ يسوع المسيح هو "الطريق والحق والحياة، وفيه يجد الناس ملء الحياة الدينيّة"، قال "إنّ الكنيسة الكاثوليكيّة لا تنبذ شيئًا ممّا هو في هذه الأديان حقّ ومقدَّس"، وأنّ تعاليمها "تحمل، في غير مرّة، قبسًا من شعاع الحقيقة التي تنير جميع الناس" . من هنا يمكن القول إنّ ثمّة طرقًا حقيقيّة مختلفة للوصول إلى الله.
في هذا السياق يُحكى أنّ الخليفة هارون الرشيد دعا يومًا مطران بغداد المسيحيّ وسأله: "ما هو الدين الحقيقيّ في نظرك، الإسلام أم المسيحيّة؟" فأجابه المطران: "الدين الحقيقيّ هو الذي يدعو الناسَ إلى التخلّق بأخلاق الله في المحبة والرحمة". فقال الخليفة: "حسنًا أجبت. فلو قلتَ لي: الدين الحقيقيّ هو الدين الإسلاميّ، لأرغمتكَ على اعتناق الإسلام. ولو قلتَ لي: الدين الحقيقيّ هو الدين المسيحيّ، لقطعتُ رأسَكَ". لكنك أصبتَ عندما قلتَ: الدين الحقيقيّ هو الذي يدعو الناسَ إلى التخلّق بأخلاق الله".
التخلّق بأخلاق الله، هذا هو جوهر الدين. والله، الذي هو إله المحبة والرحمة، والذي أمرنا في الوصيّة الخامسة من الوصايا العشر، قائلاً: "لا تقتلْ"، لا يمكن أن يأمرَ بقتل الناس. وانطلاقًا من هذا المبدأ الأساسيّ يجب تفسير النصوص الدينيّة القديمة. والدين يكون حقيقيًّا بقدر ما يدعو الناس إلى التخلّق بأخلاق الله في المحبة والرحمة. في هذا الموضوع يحضُرني قول الصوفيّ ابن عربيّ:
"لقد كنتُ قبل اليوم أنكرُ صاحبي، إذا لم يكن ديني إلى دينه داني.
فقد صار قلبي قابلاً كلّ صورةٍ: فمرعىً لغزلانٍ، وديرٌ لرهبانِ،
وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبةُ طائفٍ، وألواحُ توراةٍ، ومصحفُ قرآنِ.
أدينُ بدين الحبّ أنّى توجّهتْ ركائبُه. فالحبّ ديني وإيماني"

عن النهار

بقلم المطران كيرلس سليم بسترس