صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

تجديد الخطاب الإسلامي والأقليات الدينية في الشرق الأوسط بقلم ......

تجديد الخطاب الإسلامي والأقليات الدينية في الشرق الأوسط بقلم مصطفى الفقي

 

حان الوقت ليعود المسلمون إلى صحيح دينهم ويعتمدوا الوسطية والاعتدال أسلوباً عصرياً في التعامل مع الغير لأن الدنيا تغيرت، ولم يعد هناك مبرر للتعصب الديني أو التشدد العقيدي في ظل نظرية «صراع الحضارات» التي لا يمكن إجهاضها إلا بمزيد من التسامح ورحابة الصدر والانفتاح على الآخر. إن ما يدور في العالم من حولنا وفي ظل إدارة أميركية جديدة ـــ ذات تصرفات غير مسبوقة ـــ يفرض على المسلمين أن يدركوا أنهم جزء من عالم اليوم وليسوا فصيلاً غريباً في مدارات الكون! وإذا كان هناك من يترصد خطواتهم أو يتصيد أخطاءهم فهم المسؤولون عن ذلك عندما خرجت فئة منهم عليهم وأساءت إليهم، ولا بد من مخاطبة الأمم والشعوب بلغة مختلفة تبرز سماحة الإسلام الذي انتصب رسوله العظيم محمد (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم واقفاً عندما مرت من أمامه جنازة ليهودي احتراماً لجلال الموت بغض النظر عن العقائد والديانات. فالعودة إلى مقاصد الشريعة الإسلامية تؤكد نقاءها الكامل من رزايا التعصب وطروحات الجهالة التي بدأت تسود عالم اليوم، وإذا كان الله يقيّض للمسلمين على رأس كل مئة عام من يجدد لهم فهم دينهم ويعود بهم إلى طريق الصواب فها نحن الآن عند مفترق الطرق، تكالبت علينا الاتهامات وأُلصقت بنا الجرائم وقامت بيننا وبين العنف والإرهاب جسور وهمية ولكنها تركزت في ذهن البشر من كل الجنسيات واستثمرتها قوى معادية للعرب والمسلمين وحاولت توظيفها لخدمة سياسات وأطماع جرى الزج فيها بتيارات الإسلام السياسي على نحو لم يكن متوقعاً منذ عدة عقود، وعلى رغم أننا لا نؤمن بالتفسير التآمري للتاريخ إلا أننا نؤمن بوجود المؤامرة ولا ننكر تأثيرها الذي أصبح يطبق على أعناقنا، ولكي أبسط القضية بتجرد وموضوعية فإنني أطرح الملاحظات التالية:

أولاً: يؤكد استقراء تاريخ الحضارة العربية الإسلامية أن المسيحيين واليهود لعبوا أدواراً مهمة في البناء الفكري والدور السياسي والنشاط الاقتصادي في إطار تلك الحضارة، ويكفي أن نشير هنا إلى النموذجين العباسي والفاطمي، وكيف استوزر الخلفاء المسلمون المسيحيين واليهود في المواقع الأمامية في الدولة، وتلك دلالة لا تخطئها العين على تأكيد أن التعصب موجة طارئة وليست مستقرة في أعماق التاريخ الإسلامي على الإطلاق، فمنذ ثمانين عاماً فقط كان وزير المال في مصر يهودياً هو قطاوي باشا، كما كان حاخام يهود مصر عضواً بارزاً في لجنة وضع دستور 1923، فالتطرف والغلو والتشدد أمراض وافدة على العرب والمسلمين ولم تكن جزءاً من تقاليدهم عبر العصور، بل إن كثيراً من الأعياد والمناسبات في العالمين العربي والإسلامي جاءت ميراثاً من ديانات أخرى ولم يقف منها أهل المنطقة موقفاً عدائياً على رغم كل ما ترمز إليه من مراحل سابقة.

ثانياً: لم تكن الحروب ضد «الفرنجة» المسماة تجاوزاً «الحروب الصليبية» مواجهة بين المسلمين والمسيحيين، ولكنها كانت في جوهر الأمر مواجهة بين أهل المنطقة والغزاة القادمين إليها رافعين شعارات الصليب ومرتدين مسوح القديسين في محاولة لتضليل عالم ذلك العصر، لأن مقدمات الظاهرة الاستعمارية قامت على دعوات دينية حتى ولو كانت مغلوطة! كما أن طرد العرب واليهود من الأندلس لم يكن له تأثيره أيضاً في مجمل ظاهرة التسامح الديني في العالمين العربي والإسلامي، ولكن الاستعمار الغربي هو الذي جاء بالإشارة الواضحة بل والفاضحة لسياسة «فرق تسد»، واعتماد أساليب خبيثة لتقسيم المنطقة وتمزيق نسيجها الواحد. وحاول المعتمد البريطاني في مصر اللورد كرومر ومن بعده خليفته السير الدون جورست اللعب على هذا الوتر، لكن النتائج كانت سلبية حتى كتب كل منهما إلى الخارجية البريطانية قائلاً: «لم نجد في مصر مسلمين وأقباطاً ولكن وجدنا مصريين يذهبون إلى المسجد يوم الجمعة وإلى الكنيسة يوم الأحد!»، وعكفت شخصياً لسنوات على دراسة العلاقة بين مسيحيي الشرق ومسلميه واتخذت من العلاقة بين الأقباط والمسلمين في مصر نموذجاً، تأكدت من نتائجه أن الفتنة دخيلة على المنطقة وأن الأصل فيها هو التعايش المشترك ورسوخ الإحساس بمفهوم الوطن، وبرزت نماذج مهمة تؤكد ما ذهبت إليه، لعلها تجلت في تلك الروح التي دبت في مصر أثناء ثورة 1919.

ثالثاً: إذا تأملنا وجود اليهود في العالم الإسلامي، فسنجد أنهم قد تركزوا في اليمن والمغرب والعراق والشام الكبير ومصر وكانوا دائماً موضع اهتمام، ولم تقم ضدهم على الإطلاق أي حملات عدائية حتى بعد بداية الصراع العربي- الإسرائيلي وسقوط الأرض الفلسطينية في يد الدولة العبرية، ولنتأمل مدينة مثل القاهرة بملايينها العشرين لنجد أن فيها حتى الآن سبعة معابد يهودية محمية ومصانة ولم تحدث ضدها عملية تخريب واحدة على مر العقود الماضية التي شهدت حروب العرب وإسرائيل، وهذه المعابد اليهودية متاحة لأي يهودي وافد نظراً الى أن عدد اليهود في مصر أصبح لا يتعدى أصابع اليد الواحدة بسبب رحيلهم الاختياري بعد حرب السويس 1956 في غمار السياسة الاشتراكية لحكم الرئيس الراحل عبد الناصر، ولا شك في أن هذا المثال نموذج حي للتسامح التاريخي لدى العرب تجاه الديانات الأخرى بما فيها اليهودية وذلك تأكيد على أن الخطاب الديني الصحيح لم يكن عدائياً ضد غير المسلمين كما يتوهم البعض.

رابعاً: عصفت موجات الإرهاب بدول الشرق الأوسط وامتدت نيرانها إلى أنحاء العالم، وضربت تلك التيارات المتطرفة البناء الراسخ عبر العصور كما نفثت قوى معادية سمومها وسكبت الزيت على النار، ولعلي ألفت النظر هنا إلى ما جرى للمسيحيين والإيزيديين في العراق وعمليات القتل والتهجير القسري والاغتصاب والانتقام غير المبرر الذي مارسته جماعات من تنظيم «داعش» من دون سند من دين أو قومية أو أخلاق، ولنتذكر أيضاً بعض أوضاع المسيحيين في لبنان وأحياناً في مصر وعمليات التضييق والتهميش التي تجري في بعض الأقطار تجاه غير المسلمين، وتلك بدعة جديدة لم يعرفها التاريخ الإسلامي ولم تضمها حضارة العرب. وخسرنا الكثير سياسياً وإعلامياً وتشوهت صورتنا بسبب تلك الجرائم النكراء والتصرفات الشنعاء التي أساءت إلينا قبل غيرنا، وبدت وكأنها محاولة لتشويه الإسلام والإساءة إليه قبل أي شيء آخر، وارتفعت الأصوات في أنحاء العالم مطالبة بإيجاد مظلة من الحماية للمسيحيين في العالم العربي وتأكيد حقوقهم المشروعة واحترام معتقداتهم الراسخة مع مزيد من التسامح والانفتاح على شركاء التاريخ والحياة.

خامساً: لا أغالي إذا قلت إن الدعوة إلى تجديد الخطاب الإسلامي والتعامل مع غير المسلمين تجعل النموذج المصري ملائماً للدراسة وتحقيق النتائج السليمة، فالإسلام السياسي مصري المولد، ولا يخالجني شك في أن جماعة «الإخوان المسلمين» هي الأم الشرعية لكل التنظيمات الإرهابية في العالمين العربي والإسلامي، لذلك كان طبيعياً أن تنادي الدولة المصرية الآن بضرورة تجديد الخطاب الديني أي تحرير النص الفقهي من دلالته المطلقة وتحويله إلى منطوق نسبي يخضع لظروف الزمان والمكان، فالشريعة لا مساس بها، أما الفقه فهو صناعة بشرية تقبل النقاش ولا تستعصي على الجدل ولا تتعالى على الحوار، وساهمت جماعة «الإخوان المسلمين» مساهمة كبيرة في تقديم صورة الإسلام على النحو الذي نشهده اليوم، وهي التي زرعت بذور التطرف وفتحت الباب للغلو والتشدد والتطلع إلى السلطة والرغبة المحمومة في ممارسة السياسة في خلط تحكمي بينها وبين الدين، وأنا ممن يظنون أن الفارق بين جماعة «الإخوان المسلمين» والتيارات السلفية عموماً هو أن الجماعة يسيطر عليها بما يزيد على ثمانين في المئة عامل سياسي بينما لا يزيد ذلك العامل السياسي لدى السلفيين على عشرين في المئة فقط، ولا شك في أن الشهوة السياسية لدى الجماعة قد أوردتهم في النهاية إلى موارد التهلكة، وحاول «الإخوان» إقامة جسور للتواصل مع المسيحيين حتى أن نائب رئيس حزبهم في مصر أخيراً كان مسيحياً إنجيلياً هو الدكتور رفيق حبيب، ورد الأقباط على الجانب الآخر بمجاملات لـ «الإخوان» في مناسبات عدة. ويكفي أن نتذكر أن السياسي الوحيد الذي شارك في تشييع جنازة الشيخ حسن البنا بعد اغتياله كان مكرم عبيد باشا السياسي المصري القبطي وكثيراً ما احتدم الغزل بين الجماعة والمسيحيين في مصر وفي غيرها من الأقطار العربية، لكن ظلت النيات دفينة والأفكار مبهمة وأضحت عباءة الإسلام لديهم متسعة تقبل ما يشاؤون وترفض ما لا يريدون!

إن العلاقة بين تجديد الخطاب الإسلامي والرجوع بالدين الحنيف إلى صحيحه تعني نظرة جديدة الى العلاقة بغير المسلمين ولا تسمح إطلاقاً بالممارسات الإرهابية أو الإجراءات الظالمة التي اتبعتها جماعات متطرفة ضد أشقائنا في الوطن ورفاق المسيرة المشتركة عبر التاريخ، وذلك في وحدة عضوية تجمع أطراف العالم الإسلامي والمسيحي على كلمة سواء. ويكفي أن نتذكر أن إنشاء «بيت العائلة» في مصر كمجلس مشترك بين الأزهر الشريف والكنيسة القبطية جاء عندما حدث اعتداء على كنيسة في العراق وشعر المسلمون في مصر أن خطر التطرف الداهم سيسيء إلى العلاقات الأزلية بين المسلمين والمسيحيين في بقية الأقطار.

إن تجديد الخطاب الإسلامي يدعونا إلى التمسك بالثوابت مع إعمال التفكير في التراث الضخم من الآراء الفقهية التي كبلت حركة المسلمين ووضعت قيوداً على التعامل السليم مع أتباع الديانات الأخرى، وسمحت لكثير من القوى المعاصرة بالتطاول على دين سماوي عظيم يؤمن بالتسامح ويرفض الإرهاب ويعتبر التفكير فريضة إسلامية!

  * كاتب مصري

عن الحياة

 

بقلم مصطفى الفقي