صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

شدّد على العيش المشترك ونشر السلام ومكافحة نزعات التطرّف ......

شدّد على العيش المشترك ونشر السلام ومكافحة نزعات التطرّف والإرهاب
مؤتمر «إعلان اللويزة» يدعو إلى جعل لبنان مركزاً دولياً لحوار الأديان

 

 

اللويزة ـــــــ جليل الهاشم



انعقاد مؤتمر «إعلان اللويزة» بدعوة من البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي لملاقاة «إعلان الأزهر» حول المواطنة شكّل متابعة ذكيّة وفي محلها، لأن الفريق اللبناني المُشارِك في المؤتمر الأول وكان عديده 55 شخصاً التقط المبادرة وتابعها في المكان الأنسب لإحيائها، وهو لبنان ودير سيدة اللويزة تحديداً لما يمثّله من تجربة تاريخية وحيّة لفكرة العيش المشترك الواحد. وهذا ما يُساهم في إعادة تأهيل لبنان للقيام بدوره كوطن الرسالة على هذا الصعيد ومركز دائم لحوار الأديان والثقافات من أجل السلام. ومما لا شك فيه أن شجاعة البطريرك الراعي كانت واضحة لتبنّيه ورعايته هذه المتابعة من مركز عريق كجامعة سيدة اللويزة، وهذه الشجاعة معطوفة على شجاعته منذ مدة بمصاحبة البابا فرنسيس في الحج إلى القدس رغم الاعتراضات آنذاك على تلك المصاحبة.

وتميّز هذا المؤتمر بشمولية التمثيل الإسلامي – المسيحي، بحيث شاركت فيه جميع العائلات الروحية في لبنان من مسيحيين ومسلمين من دون استثناء، كما تميّز بمشاركة قطاع واسع من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام فضلاً عن حضور ممثل شيخ الأزهر الشيخ عباس شومان والسفير البابوي غبريال كاتشيا. وما ميّز «إعلان اللويزة» هو الخصوصية اللبنانية في ملاقاة «إعلان الأزهر» والخصوصية المسيحية تحديداً.

ويُشكّل هذا المؤتمر أيضاً مسار تطوّر فكري هام ومتقدّم في الظرف الذي تمر به المنطقة. كما يبدو أن الإعلان حصد موافقة الجميع، وقد عملوا عليه بموضوعية ودقّة وتفهُّم بعيداً من السياسة ومن أي مصالح حزبية ضيّقة.

وخلص المؤتمر الى التأكيد على «العيش المشترك في دولة وطنية دستورية مدنية قائمة على المواطنة والتعددية، لا على أنه مجرد تدبير حصيف يمليه واقع التنوع المجتمعي، والسعي الى جعل لبنان مركزاً دولياً لحوار الأديان والثقافات والحضارات»، داعياً الى نشر السلام ومكافحة نزعات التطرف والإرهاب.

افتتح البطريرك الراعي أعمال مؤتمر الحوار الإسلامي- المسيحي، الذي دعا اليه قادة الطوائف وشيخ الأزهر، وانعقد في جامعة سيدة اللويزة في ذوق مصبح أمس، في حضور ممثل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وزير الثقافة غطاس خوري، ممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري النائب فريد الياس الخازن، الرئيسين ميشال سليمان وفؤاد السنيورة، وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، الشيخ شومان ممثلاً شيخ الأزهر أحمد الطيب، مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان ممثلاً والده رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبدالأمير قبلان، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ محمد عصفور، القس سليم صهيون، السفير البابوي، سفير مصر نزيه النجاري، الوزير السابق طارق متري، رئيس الرابطة المارونية أنطوان قليموس، السيدة حياة إرسلان، السيدة رباب الصدر وشخصيات.

استهل اللقاء بكلمة لعريف الحفل سهيل مطر لفت فيها الى أهمية هذا المؤتمر، ثم ألقى رئيس جامعة سيدة اللويزة الأب وليد موسى كلمة دعا فيها الى «تجديد عقد الأخوة للانتصار على الإرهاب بكل وجوهه»، والى «وقفة تجعل الشباب أكثر إيماناً بهذا الوطن، فالخوف عليهم من الضياع كبير جداً».

الراعي 

وأثنى الراعي في كلمته على «الجهود التي تقوم بها جامعة سيدة اللويزة». ورأى أن لبنان «بحكم ميثاقه الوطني، يجعل العيش المشترك أساساً لنظامه السياسي (...) ويجسده في المشاركة، المتوازية والمتوازنة بين مكوناته الإسلامية - المسيحية، في الحكم والإدارة. ويُقر أنظمة الأحوال الشخصية الخاصة بكل طائفة من طوائفه، فيأتي بالنتيجة نظامه السياسي ديموقراطياً، قائماً على الحوار الوطني والوفاق، وعلى إقرار جميع الحريات المدنية العامة (...)».

أضاف: «كل هذه الخصوصيات اللبنانية، تشكل ثقافة لبنان الواحدة، وتجعل منه نموذجاً ورسالة في محيطه، كما قال القديس البابا يوحنا بولس الثاني، ولا يخفى على أحدكم أن الأحداث المؤلمة والدامية التي تمزق بلدان الشرق الأوسط، وأن استقبال لبنان لمليوني لاجئ ونازح هو على تزايد (...)، ما خلف تداعيات خطرة على لبنان وكيانه وشعبه، وعلى اقتصاده وثقافته، فضلاً عن المخاطر التي تهدد أمنه واستقراره، وبالتالي دوره ورسالته كعنصر استقرار وتلاقٍ في المنطقة».

وأوضح أن «هذه القمة تهدف إلى وعي أهمية لبنان في محيطه العربي، وإلى حمايته ومساعدته على تخطي هذه المرحلة الصعبة التي تلقي بثقل نتائجها وتداعياتها عليه»، معتبراً أن «من الواجب حفظ لبنان كواحة لقاء وحوار للأديان والثقافات والحضارات، في وجه السعي المغرض والمبرمج إلى تأجيج الصراع في ما بينها، كما بات ظاهراً في الحروب الدائرة في المنطقة (...) وفي الإعتداءات على المسيحيين في مصر من منظمات إرهابية مدعومة». وأمل «الوصول إلى خطة عمل تقود خطانا جميعاً إلى تعزيز خير لبنان وبلدان المنطقة، وإلى حماية الحضارة التي بنيناها معاً مسلمين ومسيحيين على مدى ألف وثلاثمائة سنة».

شومان

ثم كانت كلمة لشومان نقل فيها تحيات الجمهورية العربية المصرية حكومة وشعباً ولا سيما تحية شيخ الأزهر، معرباً عن امتنانه لجامعة سيدة اللويزة «لرعايتها لهذا المؤتمر البالغ الأهمية في هذا التوقيت الدقيق في عالمنا العربي للمسيحيين وللمسلمين». وقال: «هناك علاقة تاريخية بين المسيحية والإسلام، لذلك لا يمكن أن يقبل الإسلام من أنكر المسيحية، فأتباع المسيحية هم أقرب الناس الى المسلمين، وهذا ما علمناه في كتابنا. لقد كانت المسيحية حاضنة للإسلام ولا سيما بلاد الحبشة المعروفة بأثيوبيا اليوم، وقد أوصى النبي محمد شعبه باللجوء اليها لأن حاكمها المسيحي عادل لا يظلم، كذلك رسولنا استقبل وفوداً مسيحية، منها وفد نجران، في المدينة، وأذن لهم بالصلاة على دينهم».

وأشار الى أن «الأزهر الشريف يحافظ منذ تاريخ إنشائه على علاقات جيدة مع الكنائس كافة، وهو سعى ويسعى الى نشره ثقافة التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وبذل جهوداً كثيرة، والحضور اللبناني في كل نشاطاته هو حضور طاغٍ ومشرف، ولافت في العام 2011، وبعد تعرض عدد من الكنائس في مصر لاعتداءات من شباب غسلت الجماعات الإرهابية أدمغتهم، سعى شيخ الأزهر الى تكوين بيت العائلة المصرية وأصر على أن يكون في قلب مشيخة الأزهر، فحقق هذا البيت إنجازات مذهلة وأسهم في وأد الكثير من الفتن الدينية، وتوجه القيمون عليه الى الأماكن التي تعرضت لهذه الاعتداءات للتنديد بها وتقديم كل الدعم للمعتدى عليهم».

وشدد على أن «الأزهر يواصل عملية مد الجسور مع المسيحيين أينما وجد»، مطالباً أصحاب القرار والدول الكبرى بـ «تغيير سياستهم في فرض الهيمنة والسعي الى إيقاع الفتن والحروب استغلالاً للاختلاف الديني أو المذهبي أو العرقي، فكفانا ما سُفك من دمائنا معاً مسلمين ومسيحيين، وليتوقفوا عن اعتبارنا حقلاً تجريبياً لأسلحتهم وتجارتهم».

وذكر بأن «الأزهر قدم مشروع قانون الى رئيس الجمهورية المصرية يجرم الحض على الكراهية باسم الدين، ويمنع تناول الآخر في معتقده»، داعياً القادة الروحيين المجتمعين الى «تبني فكرة إطلاق بيت العائلة اللبنانية على غرار بيت العائلة المصرية».

دريان

وأكد دريان أن «هذا العمل الذي نقوم به اليوم متعاونين متضامنين، قادة دينيين، ومثقفين، ومن رجالات العمل العام، هو عمل وطني كبير بالفعل، وعمل إسلامي ومسيحي جليل. لقد بدأ الأزهر هذا العمل الرائد، من أجل المواطنة الكاملة، والدولة الوطنية الدستورية الجامعة، قبل ستة أعوام، على وجه التقريب، حين أصدر في العامين 2011 و2012 بياناته ووثائقه التي عنيت باستعادة فاعليات الوحدة الوطنية، والعيش المشترك في مصر والعالم العربي، وتجديد تجربة الدولة الوطنية العربية أيضاً، في مصر والعالم العربي، وبلغت تلك المبادرة اللافتة والشجاعة ذروتها، في مؤتمر مكافحة التطرف والإرهاب، عام 2014، الذي شارك فيه عشرات اللبنانيين، وبينهم قادة دينيون ومفكرون، ثم انعقد المؤتمران العظيمان في الأزهر أيضاً، وبالتعاون مع مجلس الحكماء، الأول: للمواطنة والعيش المشترك، الذي دعا الأزهر إليه خمسة وخمسين لبنانياً، والثاني: في مؤتمر السلام العالمي، الذي شارك فيه لبنانيون كثيرون، وحضر جلسته الختامية، البابا فرنسيس الأول».

وأشار الى أن «هناك ترابطاً وتلازماً بين التطرف والانشقاق الديني من جهة، وهذا النفور من الدول الوطنية ونظام العالم كله. وهذه مهمة جليلة جداً وبشقيها، الشق المتعلق بمكافحة التطرف والإرهاب، والآخر المتعلق باستعادة الثقة بين الدين والدولة الوطنية الجامعة»، لافتاً الى أن «المؤسسات الدينية لا تريد أن تحكم أو تسيطر، شأن ما يريده أو يهدف إليه المتطرفون، وإنما تريد أن تدعم سلام الأوطان وسلامتها، ووحدة المجتمعات وانسجامها. ويكون علينا نحن القادة الدينيين، أن نتأمل هذا الدور أو الأدوات الجديدة والعريقة في الوقت نفسه، للدين ومؤسساته. إن تجربة الأزهر المستجدة والواعية، قدمت وتقدم دروساً، طالما طمحنا نحن القادة الدينيين في لبنان، للقيام بها، خلال النزاعات الكثيرة التي نشبت على أرضه. كنا نسميها حواراً إسلامياً مسيحياً تارة، وقمماً روحية تارة أخرى. وقد يكون ضرورياً تأمل تجاربنا بدقة ونقدية، في ضوء ما يحاول الأزهر القيام به في الجوانب الوطنية والدينية والعالمية».

ولاحظ أن «الدولة الوطنية العربية بالذات، تواجه أزمنة صعبة وصعبة جداً»، معتبراً أن «المتطرفين الانشقاقيين، يشكلون مشكلة كبرى للدين وللدولة، لكن دولنا وإداراتها، تواجه مشكلات أخرى غير دينية، كانت ولا تزال بين أسباب تصدعاتها». وشدد على أن «استنقاذ الدولة السياسية والوطنية في العالم العربي، يحتاج إلى تضامن كبير بين سائر الفئات السياسية والدينية والمدنية، والثقافية والاجتماعية. ما عاد يفيد القول: إما أن تكون الدولة على هذه الشاكلة أو تلك، أو نحن لسنا مستعدين لدعمها، هذا غير مقبول، بل غير ممكن، وأولى الفئات التي ينبغي أن تحس وتعي هذا الواجب، فئة القادة الدينيين والمؤسسات الدينية».

وذكر بأن «الأزهر اهتم اهتماماً خاصاً بالتجربة اللبنانية، وإلا لما أشركنا في هذه الكثافة، نحن اللبنانيين شديدو الاعتزاز بالتجربة في المواطنة والعيش المشترك، التي نسميها الصيغة اللبنانية الفريدة. وما أراه، أننا نحن اللبنانيين، وخصوصاً الأجيال الشابة، ما عادت تقدر تلك التجربة حق قدرها. ثم ان التعثرات في التجربة هائلة وكثيرة، وكثير منها يتجه الى فصل المسيحيين عن المسلمين، أو العكس، بحيث يصبح النظام نظام مساكنة لا مواطنة. إن واجبنا نحن القادة الدينيين، أن نضغط باستمرار، وبشتى الوسائل، للنهوض بقيم العيش المشترك وممارساته».

ودعا الى «العمل على تجديد الوعي بشتى الوسائل، بأهمية تجربة الدولة الوطنية في لبنان، دولة المواطنة والعيش المشترك، وذلك لدى شبابنا، وقبل ذلك، لدى سياسيينا من دعاة الفصل وليس الوصل، وأخيراً لدى العرب والعالم، بحيث تعود التجربة اللبنانية نموذجاً يُحتذى بها، كما كانت قبل عام 1975، وإلى الحرص على تمتين الصلات بالأزهر وبالفاتيكان، وبمجلس الكنائس العالمي، للإفادة من تجاربهم وممارساتهم، ولتجديد ثقافة العيش المشترك، وثقافة العلاقة بالعالم».

قبلان

ثم كانت كلمة لقبلان قال فيها: «ان الإنسان أكبر المقدسات عند الله والتعدد الفكري والديني والطائفي ظاهرة متجذرة في الأرض، فمنطق الدولة في مفهوم الله يبدأ بضمان المصالح الجامعة للناس. ونحن مع الدولة الضامنة وليس الشخص الضامن، نحن مع المشروع السياسي الذي يؤمن حق المواطن ضمن مشروع مؤسسات وآليات أكبر من الأشخاص، وسياسات اجتماعية أكبر من الولاءات، نحن مع قانون انتخاب يعطي المواطن أكبر قدر من التأثير، ويُلزم المسلم والمسيحي بالشراكة الإنسانية، ونحن مع المسيحي المظلوم ضد المسلم الظالم، وضد الطائفية والضمانات الشخصية والإعلام التاجر والتسيب الفكري وتسليع الإنسان، ولا سيما المرأة، كما إننا ضد فصل الإنسان عن السماء كفصل الجسد عن الروح».

حسن 

ولفت حسن الى أن «الثمرة المرجوة من هذا اللقاء الملاقاة لرؤية الآخر، والتقدم نحوه على قاعدة ترقى الى مقام عهد الأخوة، لهذا نجتمع في سيدة اللويزة عائلة روحية إنسانية للمساعدة على الخروج من عقدة الشعور الأقلوي خدمة للأمة ولمستقبلها، فالمواطنة تطلب الوحدة الوطنية وليس السياسة المرتكزة على مقومات وحدة الثقافة، ووحدة التربية في المدارس الرسمية والخاصة، ونجاح هذا التلاقي الروحي يفرض وجود الدولة العادلة بمؤسساتها الدستورية لتوفير الضمانات اللازمة لحماية الناس».

عصفور 

وفي الختام، ألقى عصفور كلمة اعتبر فيها أن «هذا المؤتمر هو من أهم المؤتمرات في عصرنا»، منوهاً بجهود الراعي لعقده. وقال: «لقد ألحقوا بالأديان تشوهات لتصويرها أنها مصدر خلاف، فالله واحد وإن اختلفت طرق العبادة، وعلى هذا بُنيت الحضارات. ونحن كقادة روحيين أمام مسؤوليات كبيرة لتعزيز القيم الإنسانية وتعميم العيش المشترك، ويجب أن ينطلق الحوار من دون حدود الى العالم أجمع».

الجلسات

بعد استراحة، افتتحت الجلسة الأولى التي تمحورت حول ماذا بعد «إعلان الأزهر»، ترأسها متري الذي اعتبر أن «المواطنة لا تنفصل عن دولة الحق، وهي ليست غنيمة تُقتسم بين الجماعات»، داعياً إلى «إيجاد آلية لكيفية تعزيز روابط المواطنة في لبنان لنجدد شراكة الوطن».

ورأت الصدر أن «هذا اللقاء يعيدنا إلى بلادنا التي كنا نعيشها كما يعبّر عنه أدبنا وشعرنا ونشيدنا، ونترك وراءنا كل ما أنتجته المحن»، مقترحة «تحويل هذا الملتقى إلى مجلس تربوي تأسيسي دائم لوضع منهج تربوي مدرسي وآخر توجيهي عام».

أما القاضي عباس الحلبي فأثنى على توقيت المؤتمر، «بإعلان لبنان بمسيحييه ومسلميه وشتى تشكيلاتهم ومذاهبهم وطوائفهم ليعيدوا الاعتبار إلى مضامين وثيقة الوفاق الوطني تعويضاً لدور فقدوه في متاهات المنازعات المذهبية عوض أن يكونوا أمناء على رسالة لبنان ومعناه الإنساني».

من جهته، دعا القاضي أنطوان مسرة، إلى «وقف الاستمرار بنمط معين من الخطابات كالسابق، لأننا أمام أوضاع جديدة (...)، فالإسلام، التعصب والإرهاب هي كلمات من تأثير الإعلام، ونحن الآن بحاجة الى التفكر».

ورأى النائب السابق فارس سعيد أن «خلاصات الحوارات والمراجعات والإعلانات منها ما هو ماثل في إعلان الأزهر وما ينبغي أن يمثل في إعلان اللويزة لهذا المؤتمر، نلتقي جميعاً على غاية واحدة هي مطلب السلام العادل والشامل والدائم في منطقتنا، بوصفه حقاً لشعوبها كافة وشرطاً لاستقرار العالم. ونحن نعتقد بقوة أن مبادئ هذا السلام المنشود ومرجعياته هي على درجة عالية من الوضوح والتحديد في قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية ونداءات المرجعيات العليا للمسيحيين والمسلمين في عالم اليوم، تلك النداءات الحارة التي تتجاوز بمضمونها واهتمامها وغايتها الأهواء الخاصة لبعض الملل والنحل والفرق، فضلاً عن أهواء السياسات السياسوية».

وأعرب أنطوان قربان عن افتخاره «كلبناني، برسالة وطني الحضارية في ما يتعلق بالعيش المشترك الذي يختلف تماماً عن التعايش (...) وحوار الأديان هو مسألة حيوية كي يتعرف المرء على جاره المختلف، ولكنه لا يكفي لأنه لا يؤسس للوحدة الوطنية».

وشدد رضوان السيد على أنه «يجب من خلال هذا الإعلان استعادة الثقة بالدين وبالمؤسسات الدينية، ومن جهة أخرى تجديد وإصلاح تجربة الدولة الوطنية».

البيان الختامي 

وفي الختام، تلا الراعي البيان الختامي، والتوصيات الصادرة عن المؤتمر، وأعلن فيها المشاركون «ترحيبهم وتأييدهم لإعلان الأزهر الشريف باعتباره دعوة مخلصة وصادقة من جانب كبرى المؤسسات الدينية العربية والإسلامية، لشراكة كاملة، في كل بلد عربي وفي دولة وطنية دستورية مدنية تميز بين الدين والدولة وتكون قائمة على المساواة بين كل أفراد الوطن الواحد، وتعزز التنوع والتعددية الثقافية والدينية، وتستبدل بالمواطنة لفظة «أقليات» و«أغلبيات»». وإذ رحبوا بنتائج «مؤتمر الأزهر الشريف للسلام العالمي»، أوضحوا أنهم «يضمون صوتهم للتأكيد على تضامن المؤسسات الدينية وتعاونها في نشر السلام بين الأمم ونصرة قيم العدالة والإنصاف، ومكافحة نزعات التطرف والإرهاب، والمشاركة في صنع عالم جديد للأخوة والمودة والمحبة بين البشر». وثمّنوا «كل المبادرات الرامية إلى تثبيت ممارسات المواطنة والدولة الوطنية الدستورية والعيش المشترك في العالم العربي، للخروج من الأزمات وبلوغ حياة أفضل».

وأكد المجتمعون أن «حماية الاستقلال الوطني والسيادة اللبنانية، تقتضي تعزيز قاعدة العيش المشترك، والمحافظة على الثوابت الوطنية اللبنانية المتمثلة بالميثاق الوطني واتفاق الطائف والدستور»، معربين عن «تمسكهم بالمبدأ الدستوري أنه «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك»، سواء لجهة الغلبة، أو لجهة الفصل بين أبناء الوطن الواحد على أساس الانتماء الديني أو المذهبي». ورأوا أن «المخرج من التوترات الطائفية، وإزالة المخاوف والاصطفافات، وتطوير النظام بما يشجع الفئات الشابة على المشاركة بفاعلية إنما يتمثل بتعزيز روابط المواطنة والتحرر من العصبيات، ونشر قيم الديموقراطية وممارستها بما يؤدي إلى قيام الدولة المدنية».

وأشاروا الى أنهم «ينظرون إلى العيش المشترك، في دولة وطنية دستورية مدنية، قائمة على المواطنة واحترام الاختلاف والتعددية، لا على أنه مجرد تدبير حصيف يمليه واقع التنوع المجتمعي، بل أيضاً وخصوصاً بوصفه فعل إيمان، سواء على قاعدة الشهادة للإيمان الخاص في بيئة إنسانية متنوعة التكوين، أو على قاعدة أن الآخر المختلف جزء من تعريف الذات، يكونك مثلما تكونه، وأن الوطن يكون بجميع بنيه أو لا يكون، ولجميع بنيه أو لا يكون. وهذا ما يفهمونه من فلسفة الكيان اللبناني في أصل نشأته، وفي تجربته التاريخية وفي صيرورته المستقبلية، وفي رسالته الإنسانية. ولئن كان هذا الخيار هو الأصعب بالمقارنة مع خيارات أخرى تبسيطية اختزالية، أو في ظل التوترات الدينية في بعض المراحل، إلا أنه الخيار الأكثر جدارة بكرامة الإنسان وحريته وازدهاره».

ودعوا «المؤسسات الدينية والجامعية والتعليمية الإسلامية والمسيحية إلى إيجاد صيغ للتشاور والتعاون والانفتاح في المناهج التربوية، والتفكير في تطوير برامج مشتركة تبعث على المزيد من المعرفة المتبادلة والتعارف، وخلق أجواء للتشارك الديني والوطني والإنساني، وإلى تفعيل مختلف أطر الحوار الإسلامي المسيحي في لبنان والمنطقة»، معتبرين أن «اللبنانيين والعرب الآخرين محتاجون في حياتهم المشتركة، وفي علاقاتهم بالعالم إلى تفعيل التزامهم ضد التشدد والتطرف والانعزال من جهة والتمسك بالوسطية والاعتدال من جهة أخرى. ولا سبيل لذلك إلا بالإقبال على بناء ثقافة مشتركة تقول بالتنوع والاعتراف المتبادل. ويشكل التعاون والتشارك بين المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية في شتى المجالات خطوة مهمة في بناء الثقافة الجديدة».

وأعلنوا عن إرادتهم في التوجه إلى الفاتيكان والمؤسسات الدينية العالمية المسيحية والإسلامية الأخرى للتعاون والتنسيق معها، معربين عن رغبتهم في «إيضاح أهمية العيش المشترك في لبنان وتحدياته وهو الذي يُشكل الضمانة الحقيقية للحريات والسيادة والاستقلال الوطني، وهذا ما جعله رسالة كما قال القديس البابا يوحنا بولس الثاني». ورأوا أنه «وسط مآسي التقسيم والتهجير والفرز السكاني القسري والتطهير العرقي، واستهداف المسيحيين من جانب العصابات الإرهابية كما حصل في مصر في الفترة الأخيرة واستهداف غيرهم في العراق وسوريا، ومخاطر الفتن المذهبية، والنزاعات والحروب المتفاقمة في عدد من دول الجوار العربي، فإن صلابة العيش المشترك، وتجذر الديموقراطية في لبنان يبعثان رسالة أمل إلى العرب والعالم بمستقبل آخر للبلدان والعمران؛ وينبغي أن نفعل كل ما بوسعنا نحن اللبنانيين ليظل الوعي بجدية وأهمية التجربة اللبنانية وجدواها لدى العرب ولدى المجتمع الدولي قائماً وقوياً وواضحاً. وعلينا نحن اللبنانيين في حياتنا الدينية والثقافية والمدنية والسياسية أن نجدد السعي والعمل على جعل لبنان مركزاً دولياً لحوار الأديان والثقافات والحضارات، بما يخدم العالم العربي والعلاقات المسيحية - الإسلامية في العالم».

ورحب المجتمعون بـ «موقف الكنيسة الكاثوليكية وغيرها من الكنائس في العالم المتضامن مع الشعب الفلسطيني والمؤيد لحقوقه الوطنية، والداعي إلى تجذر المسيحيين في أرضهم، في القدس وسائر فلسطين»، مؤيدين «دعوة القمة العربية المنعقدة في عمان في آذار 2017 لدعم أهالي القدس والمؤسسات المقدسة التعليمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والصحية الرسمية والأهلية، دعماً لمدينة القدس المحتلة وتعزيزاً لصمود أهلها ومؤسساتها». كما رحبوا بالبيان الصادر عن المبادرة الأهلية اللبنانية - الفلسطينية بتاريخ كانون الثاني 2017، تحت عنوان: «رؤية لبنانية موحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان».

وناشدوا الأسرتين العربية والدولية «العمل الجدي على إيقاف الحروب والنزاعات في سوريا والعراق واليمن وأي بلد آخر، وإيجاد حلول سياسية لها، وإرساء سلام عادل وشامل ودائم، وعودة جميع المهجرين والنازحين واللاجئين والمخطوفين إلى أوطانهم وبيوتهم، حفاظاً على ثقافاتهم الوطنية وحقوقهم».

 

عن المستقبل

 

بقلم جليل الهاشم