صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

أكراد سورية و... صناعة وطن بقلم نزار آغري ...

أكراد سورية و... صناعة وطن بقلم نزار آغري

 

 

يستعد أكراد سورية لإجراء انتخابات «مجالس الشعب في أقاليم شمال سورية». واستناداً إلى ما أورده الزميل شيرزاد اليزيدي في مقالته في «الحياة»، فإن «المجلس التأسيسي لفيديرالية شمال سورية» هو الذي أقر إجراء هذه الانتخابات، وسوف يتم انتخاب كومينات وكانتونات وحارات وأحياء إلخ...، وصولاً إلى مؤتمر الشعوب الديموقراطي.

كل ذلك في البقعة الممتدة على طول الشريط الحدودي بين سورية وتركيا. ولا يخفى أن حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي هو الذي يسيطر على تلك المنطقة ويمارس فيها سلطته بلا منازع أو منافس.

كانت مخيلة قادة هذا الحزب تفتقت في وقت سابق عن اسم «روجافا» لإطلاقه على المناطق الواقعة شمال سورية وشرقها وتقطنها غالبية كردية. وروجافا كلمة كردية تعني الغرب، والمقصود غرب كردستان أو كردستان الغربية. وهذا إيحاء بوجود جزء من كردستان في سورية، باعتبار أن كردستان الجنوبية في العراق، والشرقية في إيران، والشمالية في تركيا. غير أن هذا يصطدم بالخطاب السياسي والسلوك العملي للحزب الذي اجترح مفردة كانتونات، لتسمية الأقاليم ذات الغالبية الكردية، ضمن الحدود السياسية للدولة السورية. ذلك أن الكانتونات، أي المساحات السكانية المعينة إدارياً، هي تلك التي تنضوي في الجغرافيا السياسية للبلد وليست عابرة له. وهم أقاموا ما سموه الإدارة الذاتية في هذه الكانتونات، أي تسيير شؤون الناس والبت في مجرياتها ضمن المنظومة القانونية والاقتصادية للبلد وبما لا يصطدم مع، أو يهدد، السياسة الجارية للحكومة المركزية.

هكذا نجد أنفسنا أمام تشكيلتين متعارضتين من حيث الوظيفة. كانتونات ترمي إلى التشبث بالحدود القائمة والتمسك بها والتحرك من داخلها، وإقليم يسمى روجافا يحرض على رفض الحدود القائمة والعمل على تقويضها وإحلال حدود أخرى، تتفق مع التصور الذاتي للتقسيم الجغرافي، محلها. التسمية الأولى إندماجية، احتوائية، فيما الثانية نابذة، طاردة. الأولى وحدوية، الثانية تقسيمية.

في الحالتين يتعلق الأمر بالسعي إلى إنشاء وطن، سواء كان مستقلاً أو ذاتي الحكم أو فيديرالياً. نشاطات من قبيل إجراء الانتخابات وتعيين المجالس وتشكيل البلديات ورسم حدود الإقليم (أو الأقاليم، ويذكر اليزيدي أسماءها)، وسواها، ممارسات لا يمكن أن تجري إلا في نطاق وطن، أكان وطناً منفصلاً أم وطناً داخل وطن.

لا تسقط الأوطان جاهزة من السماء بل الناس يصنعونها ويصيغون ملامحها وحدودها وقوامها في مكان وزمان معينين. هناك أوطان تعمر طويلاً وأخرى تنهار سريعاً، بعضها يزول وبعضها الآخر ينبثق تواً. بعضها يتألف من مكون واحد وبعضها الآخر من مكونات كثيرة ( أديان، قوميات، شعوب، لغات، كالهند أو سويسرا الخ...). كان الأكراد في البقاع الأخرى شيدوا أوطاناً في هيئة إمارات شبه مستقلة. في إيران قامت إمارة أردلان مثلاً، وفي العراق إمارة شهرزور، وفي تركيا إمارة بوطان. كما كانت هناك محاولات لتشكيل كيانات وجمهوريات بل ممالك (جمهورية مهاباد في إيران ومملكة كردستان بزعامة محمود الحفيد). لم يحقق أكراد سورية شيئاً من هذا القبيل، وهم لهذا، ربما، يعتبرون أن الفرصة لاحت لهم أخيراً، وعليه فهم في عجلة من أمرهم لتشكيل وطنهم المنشود. الظروف الاستثنائية تتيح ذلك والمواد الأولية متوافرة. الفرصة قد لا تستمر طويلاً، ولذلك يتصرفون كمن يتهيأ لتعلم لغة في خمسة أيام، أو طبخ طبخة استناداً إلى كتب الطبخ.

ولأنه ليست لديهم خبرة أو تجربة سابقة، فهم يعمدون إلى جمع المواد في شكل اعتباطي وحشرها معاً وخلطها وتحريكها وفق إرشادات كتب الطهي المتوافرة في المكتبات. قليل من الكومونة الباريسية وشيء من الكانتون السويسري ورشّة من الحارة الدمشقية وكبّوش من الأحياء اللبنانية، وفوقها رقائق من العجينة السوفياتية العتيدة لمؤتمر الشعوب.

غير أن صناعة الوطن، كأي صناعة أخرى، يجب أن تتوافر على ثقة وتفاهم وتوافق بين الأطراف المعنية بها، سواء أولئك الذين في الداخل، أي الذين يعنيهم المنتوج المنشود مباشرة، أو الأطراف الخارجية التي يمكن أن تؤثر السلعة الجديدة فيها، فلا تتردّد في خلق العراقيل للحيلولة دون قيام ذلك.

هناك تفاهم مضمر، غير معلن وغير رسمي وغير مكتوب، بين الحزب الكردي والحكومة السورية. ما عدا ذلك فإن الحزب في عداء مع الأطراف الأخرى في الداخل والخارج. داخلياً، لا يضم «مجلس شعوب الإقليم» سوى الحزب نفسه. أي أنه هو «شعوب الإقليم» وهو أسس لها، أي لنفسه، المجلس الحاكم. وخارجياً، يحيط به طوق من أعداء يتحينون الفرصة السانحة للانقضاض عليه وتهشيمه، تقف على رأسهم الحكومة التركية وحلفاؤها من المعارضة السورية.

بل إن التفاهم الخفي القائم بينه وبين الحكومة السورية يمكن أن يتوقف في أي لحظة وليس هناك ما يردع هذه الحكومة من إرجاع العفريت إلى قمقمه. لقد كان العفريت صوصاً، صغيراً، هشاً، أودعته الحكومة السورية السجن حين كان بشار الأسد وطيب أردوغان يسبحان على شواطىء اللاذقية ويتناولان الكباب والتبولة، في مطاعم حلب أو إسطنبول. كان صالح مسلم مطارداً، هارباً، يختبىء في جبال قنديل.

اندلاع الثورة السورية غيّر الكثير من الأشياء. تخلّى أردوغان عن هوايته في السباحة وانقلب على الأسد بشدّة فعمد الأخير إلى استدعاء العفريت، الذي لم يصدق الأمر ففرك عينيه وهو بالكاد يمسك نفسه عن الصراخ على الطريقة الشامية: «شبيك لبيك أنا بين إيديك».

خلال فترة قصيرة أعاد الحزب الكردي لملمة صفوفه وسرعان ما راكم مقادير من القوة كان اختزنها منذ سنوات على يد الأخ الأكبر، حزب العمال الكردستاني، الذي كانت له معسكرات تدريب في سورية والبقاع، ونزل إلى ميدان المعركة وأدهش الجميع.

القوة التي يملكها الحزب تفيض عن حاجته الفعلية، هو التنظيم الحزبي الصغير الذي يمثل أقلية قومية صغيرة في منطقة جغرافية صغيرة ضمن وطن صغير. لكنه برع في إظهار مهاراته القتالية وشجاعة مقاتليه في كل بقعة ذهب إليها فوجد فيه الجميع عنصراً يمكن الاعتماد عليه في مقارعة الأعداء. هكذا بات في آن واحد حليفاً للحكومة السورية ولأميركا وروسيا وإيران وأوروبا.

كل طرف من هؤلاء يريده لحسابات تخصه. هو، أيضاً، له حساباته: سعيه إلى تشكيل وطن صغير، خاص به، يكون فيه الحاكم الأوحد، وهذا أحد هذه الحسابات.

 

 * كاتب كردي

 

عن الحياة

بقلم نزار آغري