صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

سيدي الوالد: هل هناك إسلام فوق المسلمين؟ بقلم جهاد ......

سيدي الوالد: هل هناك إسلام فوق المسلمين؟ بقلم جهاد الزين

 

صدر الأسبوع المنصرم باللغة الفرنسية عن "دار المشرق" التابعة للجامعة اليسوعية كتابُ الدكتور حسن الزين حول أوضاع المسيحيين واليهود في البلاد الإسلامية حتى الفتح العثماني وهو بحث قانوني لم يكن نصه المكتوب باللغة الفرنسية قد نُشر حتى وفاته منذ حوالى العام، ولذلك صدر الكتاب أيضا مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لغيابه. تضمّن الكتابُ مقدمةً كتبها نجل المؤلف الزميل جهاد الزين يحاول أن يشرح فيها السياق الثقافي والتربوي والشخصي الذي عاشه الكاتب وصلته بموضوع هذا الكتاب. هنا النص الحرفي لهذه المقدمة:

 

 

تولد فكرة البحث، أي بحث، داخل رأس الباحث. لكنْ أستطيع القول، بمعنىً ما، أن والدي (الراحل) وُلِد داخل هذا البحث. لقد كان ابناً لرجل دين وحفيداً لرجل دين وابناً لحفيد رجل دين وابنَ شقيقِ رجلِ دين وابنَ شقيقةِ رجل دين. نشأ وهو يسمع منذ بدأ يعي، أحاديثَ معنيَّةً بالاسلام. ومن بين أكبر المواضيع الي كانت تتخاطف سمَعَه بين أهله أو بين أهله وزوارهم تعاملُ الإسلام مع نفسه ومع الآخرين. تلك الشخصيات، شخصيات نَسَبِه، كانت مختلفةَ الطبائع والأدوار طبعا لكنها كلها ذات قاعدة ثقافية واحدة هي الانتماء للإسلام والشيعي الاثني عشري تحديدا. 

مع شخصيَّتيْ والده وخاله سيدخل على مسألة علاقة الإسلام بأهل الكتاب بشكل لا يشبه سابقه. ببساطة لأن الزمن تغيّر. فهذا الموضوع أصبح رئيسيا في بيئته كلما بدت المنطقة العربية والعالم المسلم وهما يواجهان دخول الغرب عليهما وما أحدثه ذلك من ردود فعل سياسية وثقافية. والده علي الزين المولود عام 1901 أو 1902 سيكون فتىً في الحرب الأولى وسيتحول منذ العشرينات وهو لا زال طالبا في النجف إلى متأثِّرٍ بل إلى تلميذٍ لعصر النهضة ولاسيما لرموزه المصرية. صارت الحداثة تأتي إلى هذا الجيل عبر "ترجمتها" المصرية بينما خاله أحمد عارف الزين، الأكبر سنا، سيكون قد أسس عام 1909 مجلة ستصبح ذات أهمية فعلية في أمرين: فتح البيئة الشيعية العاملية الخارجة من قرون من العزلة ومواكبة للنقاشات الكبرى حول الإسلام التي كانت تدور بين مجلات تلك المرحلة في بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد في الربع الأول من القرن العشرين والتي ستكون النخبة المسيحية الشامية في لبنان وسوريا ذات دور تأسيسي وريادي فيها، أي هذه النقاشات. 

سيكون والدي في اوائل سنوات دخوله إلى المدرسة في النبطية عندما سيجد في مكتبة والده مجلتي "المشرق" اليسوعية والمجمع العلمي العربي في دمشق وطبعا "الهلال" و"المقتطف" و"الرسالة" الآتية من مصر وفيها سجالات واجتهادات مستعادة أو جديدة يدافع فيها فقهاء مسلمون عن موقف الإسلام من أهل الكتاب في ذلك النقاش المهم الذي كان بدأ مستشرقون وعلماء غير مسلمين في المنطقة يثيرونه حول الوجوه السلبية للتجربة التاريخية للإسلام مع أهل الكتاب أو التسمية التي أخذت معنى مشيناً متزايدا في العصور الحديثة جعلت ولا تزال مهمة الدفاع عن منطقها التاريخي، أي في زمن استحداثها، مهمة أصعب على فقهاء المسلمين وبعض المؤرخين المعاصرين فكيف إذا أرادوا تقديمها بمضمون تسامحي؟! لن يعرف "الفتى" حسن إلا لاحقا أنه باختياره هذا الموضوع سيضع نفسه بين حاملي المهمة الصعبة جدا اليوم.

في صيدا حيث سيذهب للدراسة في مدرسة المقاصد ثم في بيروت في دار المعلمين ستولد ما أعتقد أنه تلك الازدواجية التي ستطبع كل تكوينه الثقافي، وعمليا ستطبع معظم جيله من المتعلِّمين المسلمين، وهي ذلك الاحترام العميق للثقافة الفرنسية والانتماء الأعمق للثقافة التراثية العربية ليتحول هذا الكتاب بالذات بعد نصف قرن إلى الخلاصة الأرفع والأعلى لهذه الازدواجية البناءة في شخصيته وحياته.

كانت ازدواجية لن يغيب عن تأسيسها البعدُ العائلي كبعد محرِّض على الانخراط المتواصل. سيجد في مجلة "العرفان" نقاشات بل سجالات متواصلة مع مجلة "المشرق" حول تاريخ المنطقة، صورةُ الإسلام ومدى تسامح وتشدد تجربته التاريخية مع المسيحيين واليهود... في قلبها، ووالده الشيخ علي أحد ناشطيها على صفحات "العرفان" لاسيما ما يتعلّق بتاريخ لبنان الذي كان يجري تأسيسه في أوساط الانتلجنسيا المسيحية. أقصد تأسيس تاريخ الكيان إذا جاز لي التعبير من ذلك الخليط الرائع من الحقائق والأساطير معاً... الخليط الذي في النهاية، يتأسّس منه أي تأريخ في أي مكان يريد أن يبني "أمة".

في دار المعلمين سيلتقي "الفتى" حسن، ولا زال الانتداب الفرنسي قائما، بأستاذه العلامة فؤاد أفرام البستاني، الذي سيحفظ عنه كلمات لاذعة ناقدة للعرب، ينقلها ويرويها بين الحين والآخر حتى نهاية حياته قبل أشهر، لكنَّ كيفية النقل هي جزء من "الرواية": ود أكيد تجاه الأستاذ واعتراض صريح عليه يترافقان بل يندمجان معا في نقل حسن الزين لهما بل في موقفه حيالهما. كان البستاني بالنسبة له الأستاذ الرائع والخصم الفكري في آنٍ معا. كان هناك دائما في وعي والدي كما عرفته إسلامٌ فوق المسلمين. أو إسلام تأسيسي غيَّر فيه المسلمون لاحقا.

في كتابه ذي عشرات المراجع القديمة والمعاصرة بالعربية والفرنسية يميِّز نفسه عن تيارين دفعة واحدة: الأول هو التيار الذي بين أبرز من يمثله في المنطقة، برأيه، اللبناني الدكتور أنطوان فتال ويرى أن الوضع القانوني لأهل الذمة تعرّض عبر تاريخه الطويل إلى التقهقر والانحطاط والثاني الذي بين أبرز من يمثله، برأيه، العراقي الشيخ عبد الكريم زيدان ويعطي الأهمية فقط لأحكام الشريعة دون أن يلقي بالا إلى الممارسة على ارض الواقع... مع ذلك فالمفارقة الواضحة أن دراسة حسن الزين للقانون، أي الوضعي، أي الغربي، بدل أن تساهم في تعديل حدة هذا التنازع في "الأفضلية" عنده، ساهمت في تعزيزها وتفسيري الوحيد لذلك أن القانون هو النص وأن المشكلة في التطبيق. درس الحقوق بعد أن دخل الوظيفة الرسمية وأغراه دائما نوعان من اختصاص القانون: القانون الإداري بسبب نوع الوظائف الرسمية التي تولّاها وكانت تستلزم منه إعداد مداخلات دفاع عن مصالح الدولة أمام مجلس الشورى وانجذابه الشخصي إلى القانون المقارن لاسيما بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي. مقاربته إذن هي مقاربة حقوقي لا مقاربة مؤرِّخ.

التاريخ... التاريخ... آهِِ من التاريخ!!

هل هو إسلام فوق التاريخ من حيث أن نقاء النص لا تُعادلهُ تجربتُه؟ 

سأظلم الباحث كثيراً لو قلت ذلك، لا بل فاجأتني، وهو المؤمنُ الذي يصلّي وحين يستطيع يصوم، تلك الشجاعةُ الفكريةُ التي أخذه إليها منطقُ البحثِ نفسه حين يشدد ويحاول أن يثبت بأعلى ما يمكنه من العلمية أن سياساتٍ أساسيةً حيال أهل الكتاب، تساهلا أو تشدّدا، اختارتها الخلافة أو بالجمع "الخلافات" المتعاقبة سنية وشيعية حتى ما قبل الفتح العثماني كانت نتيجة العوامل الاقتصادية أي باختصار نتيجة حسابات مصلحة الخزينة - الدولة وفي حالات أخرى نتيجة الوضع السياسي والعسكري. إذن هو رغم دفاعه عن النص الديني وميوله الأصلية عند المؤسسين يتناول عددا من المراحل الشديدة الضغط على أهل الكتاب ولاسيما في عهدي المتوكل العباسي والحاكم بأمر الله الفاطمي. فيما هو يستبعد العهد العثماني من البحث يخصص حسن الزين شرحا لأسباب الاستبعاد يصلح بذاته نواة لدراسة قانونية لتلك الحقبة بل الحقبات العثمانية التي أوجبت تعديل إن لم يكن تغيير مصادر التشريع الإسلامي بسبب الالتزامات التي فرضتها العلاقات مع أوروبا وما استتبعتْه لاحقا من نشوء مفهوم المساواة والمواطنية في القرن التاسع عشر داخل الدولة العثمانية.

المذهل أن هذا التناقض، أي هذا الوعي بصفته صراعاً بين الفقه والقانون، لم يزل شديدا بل ثقيلا على مناحي الحياة في العالم المسلم في القرن الحادي والعشرين. لا بل هو ينتقل إلى مسلمي أوروبا والغرب ليشكِّل أحد مستويات السجال الخطيرة بل المؤذية في العلاقة بين الإسلام والحداثة. والخطورة في استخدام التيار التكفيري الإسلامي لبعض النصوص كتغطية لبعض أوحش الممارسات الإرهابية. لذلك وأنا أشكر باسم العائلة وباسمي نشر دار المشرق النص بالفرنسية فإني أعتبر الكتاب بين الكتب التي يشكِّل نشرها في الظروف الراهنة فرصة للتوجّه إلى القارئ الغربي، وهو المكتوب أصلا لغةً ومضمونا وفي صلب مخاطبته قانونيون غربيون. 

 أتذكّر أنه في أحد أطوار التحضير لبحثه كانت زيارته للقاهرة ولقاؤه مفتي الديار المصرية يومها وبعض علماء الأزهر وخصوصا أساتذة قانون مصريين مبعث ارتياح لديه لم يفارقه مطلقا وهو في مسار طويل من التفكير كقانوني بالإرث الفقهي الإسلامي. كان يرتاح تقليديا بحكم ثقافته إلى قوة فهم الفكر المصري في النصف الأول من القرن العشرين و العديد من أساتذة القانون المصريين لاحقا لمعضلات فقهية من موقع منحاز تماما للقانون الوضعي. 

غادر الوالد الحياة، وهو لم يقبل، مثل كثيرين جدا من النخب المسلمة، هذا الإرهاب التكفيري بل كل أنواع التشدّد باسم الفقه سواء ضد المسلمين أو ضد أهل الكتاب من أي فرقةٍ أو تيارٍ أتى. ولكنه أمضى حياته، الذهنية إذا جاز لي التعبير، داخل معضلة أكبر، ليست هذه سوى أحد مستوياتها: علاقة الإسلام بالحداثة؟ ومن يعبِّر عن المعضلة اليوم القانونيون أم المؤرخون؟ 

كمُسْلِمٍ مؤْمِنٍ كان مُسَلِّما بأولوية الحداثة وضروراتها ويعتبر ذلك من البديهيات. مات وهو مطمئن بشكل عميق إلى شرعية هذه الأولوية ولكني لا أستطيع القول أنه مات مطمئنا إلى مستقبلها.

 

جهاد الزين

 

بقلم جهاد الزين