صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

كتاب عن القسطنطينية بقلم معن البياري ...

كتاب عن القسطنطينية بقلم معن البياري

 

 

أخطأ الفرنسي غوستاف فلوبير لمّا كتب إن على زائر إسطنبول أن يبقى فيها ستة أشهر، وهو الذي جاء إليها في العام 1850، وقضى فيها خمسة أسابيع، ذلك أنك إذا زرت هذه المدينة، الآسرة عن حق، وأقامت فيك رغبةٌ بمعرفة جيدة بمعالمها ومساجدها وأسواقها وميادينها وقديمها وجديدها، بالمتعدّد والمتنوع فيها، وهي التي سمّاها نابليون الأول إمبراطورية العالم، فإنك تحتاج زمنا أكثر مما ظنّه فلوبير. وفيما لا يتحمّس الروائي التركي أورهان باموق (نوبل 2006)، في كتابه "إسطنبول.. الذكريات والمدينة"، لما دوّنه فلوبير عن إسطنبول، إذ "لم يرها تلك المدينة المشرقيّة التي يبحث عنها"، إلا أنه (باموق) يكتب إنه شغل نفسه، وقتا، بالتأثّر بالرحالة الغربيين، وما قالوه عن إسطنبول ومعارضته، لأنهم أعطوه عن مناظرها الماضية، وحياتها اليومية، أكثر بكثيرٍ مما أعطاه له الكتاب الإسطنبوليون "الذين لا ينتبهون إلى مدينتهم". وقد تحيل قولة باموق هذه إلى حرصٍ كبير قد يغشى زائر أي مدينةٍ، ذات عتاقة وتاريخ وجمال راهن، على استكشاف كل ما فيها، ومعرفةٍ وافية بماضيها وحاضرها، فيما قد لا يحفل المقيم فيها بمعرفةٍ كهذه.

 


لا يُسعفك التجوال وحده في إسطنبول بمعرفتها، بعينٍ غير سياحيّة تماما، لا سيما إذا ألحّت فيك، في زيارة رابعةٍ لها في عامٍ ونيف، الرغبة بأن تقع على التاريخيّ والثقافيّ والاجتماعيّ بشأن ما ترى عيناك، وما تطأه قدماك. وعندما لا تستمزج رفقةً مع دليل سياحي، يتلو محفوظاته عليك، وعندما لا ترتاح إلى "ويكيبيديا" ومدرسيّتها، فإنك تجد نفسك كمن يحمل السلّم بالعرض، ويُتعب باله في ما لا مدعاة للتعب منه. أنت في القسطنطينية التي اسمها الراهن إسطنبول، ومرّ عليها اسم الأستانة، حيث تلتقي أوروبا بالمشرق، وحيث كانت عاصمة الإمبراطورية العثمانية أزيد من أربعة قرون. تجول، مثلا، في "أيا صوفيا"، الكاتدرائية المهولة التي صيّرها فاتح القسطنطينية، محمد الثاني، مسجدا، قبل أن تؤول مزارا للسياح، مع انبعاث القومية التركية، لمّا خرج آخر سلاطين العثمانيين، في 1924، مطرودا من مدينة القوميات المتعدّدة. هنا أنت أمام واحدةٍ من بديهيات التاريخ، أي أن القوة هي التي تصنع الدول وتقيم المُلك والحكم لهذه السلالة دون تلك، وهذه القوة في حاجة ليس فقط إلى ولاءاتٍ تعضدها، وإنما أيضا إلى سلطةٍ مستعارةٍ من الدين. القصة شائقةٌ بقدر ما هي موحية بالكثير. يدخل محمد الثاني القسطنطينية، محاربا، وينتصر على البيزنطيين النصارى الذين يُحارب ملكُهم بفروسية ويُقتل. يدخل هذا السلطان، وعمره عشرون عاما فحسب، كاتدرائية هاغيا صوفيا، ثم يعطي الأمن والأمان للبطاركة والكرادلة والقساوسة، ويأمر فورا برفع الأذان في المكان بين الصلبان، لا للصلاة فقط، وإنما لإعلان الظفر، ولإعلان الكنيسة مسجدا، كما فعل مع كنائس غير قليلة في المدينة التي تُدهشك وفرة ما فيها من مساجد وقبابٍ ومآذن، وقد أفرط سلاطين العثمانيين في بنائها، إذ لا يصير السلطانُ "ظلَّ الله على الأرض" إلا إذا أكّدت منابر المساجد سلطانَه وشوكته. 
غرض هذه السطور أن تصل إلى ما استنجد به صاحبها ليعرفَ إسطنبول أكثر، وهو كتاب مثير، عظيم الأهمية. فيه كل الرواية وكل حواشيها. فيه التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي، بل والإنساني العام، لإسطنبول. فيه عن الحريم والسلاطين. عن كنائس ومساجد بلا عدد، عن أعراقٍ وقوميات، عن يونان وسلاجقة، عن يهود ومسيحيين. في الكتاب، بجزئيْه، إضاءاتٌ على محمد الفاتح وأبنائه وأحفاده، وسيرة هذا السلطان باهرة. وفيه أيضا مروياتٌ وسردياتٌ متتابعة عن حروبٍ ومعارك صنعت مجد سلالةٍ حكمت إمبراطوريةً قرونا، من عاصمةٍ، وصفها شاعرٌ بأنها كالشمس تدفئ العالم كله، كانت يوما مركز المسيحية المشرقية، والمدينة الأرقى والأكبر والأكثر تقدّما في أوروبا. مؤلف الكتاب، فيليب مانسيل، بحّاثة في تاريخ البلاطات والعائلات الحاكمة. مترجمه المصري مصطفى محمد قاسم، استحقّ جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في دورتها الثانية. المؤلّف اللافت "القسطنطينية.. المدينة التي اشتهاها العالم 1453 – 1924" (عالم المعرفة، الكويت، 2015). تعين قراءته في تحسّس أنفاس إسطنبول، وبالضرورة مع زيارةٍ إليها تزيد عن أشهر غوستاف فلوبير الستة.

العربي الجديد

بقلم معن البياري