صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

مضطهدون لأنهم روهينغا بقلم سامح راشد ...

مضطهدون لأنهم روهينغا بقلم سامح راشد

 

 

 

ليست قصة المسلمين المضطهدين في ميانمار جديدة، فهم يتعرّضون لأنماط متنوعة ودرجات متفاوتة من الاضطهاد والإقصاء والتمييز العنصري منذ عقود طويلة. حتى المشاهد البشعة التي نقلتها وكالات الأنباء، أخيراً، لأعمال الحرق والقتل والتصفية الجماعية لهم ليست جديدة أيضاً، فالاضطهاد للمسلمين في ميانمار لم يتوقف يوماً، لا قبل تولي أونغ سان سوكي السلطة ولا بعده. وكانت مختلف أشكال التمييز العنصري تجري دائماً طوال السنوات الماضية من دون توقف أو إبطاء. الجديد هذه المرة رفع مستوى الانتهاكات بحق المسلمين إلى حد التطهير العرقي والقتل الجماعي، وهو ما أدى إلى وقوع أعداد كبيرة من المسلمين ضحية تلك الممارسات. إضافة إلى أن أعدادا أكبر حاولت الهروب من المحارق والمذابح الجماعية، فتعرّضوا للمطاردة ثم القتل، أو تمكّنوا من عبور الحدود إلى دول مجاورة، مثل بنغلاديش، وصاروا بين لاجئين وعالقين على الحدود مجهولي المصير. 
يعرف العالم أن مسلمي روهينغا كانوا يعيشون في دولة إسلامية حملت قديماً هذا الاسم (روهانغ)، ثم استمرت تحت اسم راكان، قبل أن تغزوها بورما وتحتل أرضها عام 1784، ثم تغير اسمها من بورما إلى ميانمار، وتجعل إقليم راكان الولاية الرابعة عشر. أي أن هؤلاء المسلمين هم أصلا أصحاب كيان مستقل، لكنه خضع للاحتلال، ثم للضم من دولة مجاورة غازية. ولذا يتمسّك المسلمون هناك بتعريف أنفسهم نسبة إلى دولتهم الأصلية القديمة، تعبيراً عن استقلاليتهم وخصوصية هويتهم، ليس فقط من المنظور الديني، لكن السياسي أيضاً. 
تفسّر هذه الخلفية التاريخية ما يتعرض له المسلمون من اضطهاد مستمر، وتمييز صارخ، تحت حكم البورميين منذ 233 عاماً، فالبورميون يعتنقون البوذية، ويستشعرون خطراً عقيدياً من تلك الأقلية المسلمة في راكان. بينما يعتبر البورميون الإقليم نفسه أنه صار جزءاً من دولتهم. أي أنهم يريدون الأرض، ولكن من دون المسلمين المقيمين عليها. ألا يذكّرنا هذا بما يفعله الإسرائيليون في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ 
فكما تفعل إسرائيل بالضبط، يحرّف البورميون التاريخ، ويزيفون الديمغرافيا، فيقولون إن الذين يطلقون على أنفسهم روهينغا ليسوا مواطنين أصليين، وإنما لاجئون من أصول بنغالية. لذا لا يحظى مسلمو الروهينغا هناك بأيٍّ من حقوق المواطنة، بل ولا يملكون بطاقة هوية أو ارتباط رسمي بالدولة هناك. 
اتفقت الأمم المتحدة، في عام 2014، مع السلطات البورمية على إجراء تعداد (إحصاء) سكاني هو الأول منذ عام 1983. على أن يشمل تلك الأقلية المسلمة، غير أن سلطات بورما نقضت الاتفاق، ولم تُدرِج في التعداد أياً منهم. وكان مندوبو الإحصاء يسألون الناس عن أصولهم، فإذا كان الجواب أنه من الروهينغا، يتركه المندوب وينصرف. وقد لا يعلم كثيرون أن جائزة نوبل للسلام التي حصلت عليها سان سوكي عام 1991 كانت بسبب مواقفها المعارضة للحكم العسكري، وليس لمساندتها الأقلية المسلمة. 
القضية إذاً واضحة، أقلية دينية أياً كانت ديانتها، تعيش على أرضٍ كانت دولة وخضعت للاحتلال ثم للضم. وتتعرّض تلك الأقلية لسياسة مُمنهجة للتخلص منها نهائيا، إن لم يكن بالقتل والتطهير العرقي، فبالتهجير لمن يريد النجاة لنفسه. وعلى الرغم من أن قضية الروهينغا ليست أقل وضوحاً، بل ربما أكثر عدالة، من غيرها من قضايا الأقليات التي انبرى العالم للدفاع عنها، بل إلى حد منحها دولة، والانفصال عن دولها الأصلية، مثل تيمور التي كانت جزءاً من إندونيسيا، إلا أن الازدواجية، أو بالأحرى التناقض، ليس جديداً على العالم الذي تحكمه القوة، وتحرّكه العقيدة من طرفٍ خفي. بينما المؤسف، بل المخزي حقاً، هو موقف دول إسلامية تدرك أبعاد تلك القضية، وتستطيع التحرّك بل التدخل، وإنصاف مسلمين ظلموا قديماً ويُضطهدون حديثاً. هو موقف مخزٍ بالفعل، لكنه لا يجب أن يثير أي دهشة، فمن لم يتحرّك لنصرة القدس ونداءات المقدسيين، لن تحرّكه قضية الروهينغا وحرق مسلميها.

 

بقلم سامح راشد