صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

موسوعة شهداء الكنائس المشرقية»: فِعلُ رجاءٍ بصناعةِ أمجادٍ آتية! ......

موسوعة شهداء الكنائس المشرقية»: فِعلُ رجاءٍ بصناعةِ أمجادٍ آتية! بقلم طوني عيسى

أوّل ما يتبادر إلى اﻷذهان هو السؤال: ما الذي دفع الدكتور الياس خليل إلى اتخاذ قراره بإعداد موسوعة تتناول شهداء الكنائس المشرقية؟ هل هو فقط هاجس «البحث القاموسي» في مسألة نَدُرَ أن عولجت بهذا المقدار من السعي إلى الدقّة والمنهجية العلمية، أم أنّ الدوافع تتجاوز «ترَفَ» القواميس والبحث العلمي لتَدخل في عمق الوجدان المشرقي؟

الكاتب نفسه يكشف أنّ التحديات التي تواجه المسيحية المشرقية اليوم، و»المثيرة للقلق»، هي التي دفعت بأعضاء لجنة الدراسات في رابطة قدامى الإكليريكية البطريركية المارونية (عين ورقة - مار عبدا - غزير) إلى عقد اجتماعات متكرّرة، عقدوا خلالها العزم على «تصويب البوصلة. فوُلدت فكرة الاستنارة بمفهوم الشهادة المسيحية في دول المشرق، وبدأت كتابة السنكسار الشامل».

الإنجاز النبوي

الذين واكبوا عن كثب ما بذله الدكتور خليل، على مدى سنوات، لإعداد هذه الموسوعة، يدركون لماذا أطلق عليها البطريرك الراعي وصف «الإنجاز النبوي»؛ فالكاتب صاغَ موسوعته عن الشهداء اﻷقدمين في الكنيسة المشرقية بهدايةٍ من دم شهداء معاصرين توالى سقوطهم على أرض المشرق، طوال السنوات التي استغرَقها إعداد الموسوعة، وما زال.

لقد كتبَ الياس خليل موسوعته بالفعل الماضي، لكنّها خاطبت الحاضر واستحضرت المستقبل. ولذلك، لم تأتِ الموسوعة جسداً بارداً يكتفي بجمع الأسماء والروايات والأمكنة، بل جاءت كائناً حيّاً متفاعلاً. فدمُ الشهداء يتجاوز المكان والزمان. إنه يَروي الجغرافيا فيُنبِت التاريخ.

الياس خليل، الطبيب المسكون دائماً بهواجس الروح، أخذته موضوعة الشهادة بوصفها الفكرةَ اﻷحبّ إلى المسيحية، وبوصف المسيح نفسِه شهيد الشهداء. فالشهادة طريق القيامة، والقيامة طريق المسيحية، على قول بولس: «إن لم تؤمنوا بأنّ المسيح قد قام، فإيمانكم باطل». والشرق الذي هو مَهْد المسيحية، هو أيضاً مَهدُ الشهادة والقيامة.

يُعلن الدكتور خليل، من خلال موسوعته، أنّ الزمنَ المشرقي اليوم هو زمن شهادةٍ بامتياز، وأنّ الشهادات الجديدة هي الرحم الذي ستولد فيه المشرقية مجدّداً. هكذا تُعلِّم المسيحية أبناءَها، وهكذا يفهمها أبناؤها، خصوصاً في المشرق.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تصبح الموسوعة لا توثيقاً لشهادات التاريخ العابر، بل فعل إيمان بالمشيئة التي تكتب شهادات التاريخ المعاصر، وناقوس بشارةٍ بشهاداتٍ ستكتب التاريخ اﻵتي. إنّها تأطيرٌ لمسارات الشهادة التي صنعت مجد المسيحية المشرقية، سعياً إلى موضَعَة المسارات الحالية للشهادة، كفعل رجاء بصناعة أمجادٍ آتية.

تقديم الدم

عبر التاريخ، قدّم المسيحيون المشرقيون دماءَهم رخيصةً من أجل هدفين:
الدفاع عن مبدأ الإيمان بالله الواحد.
الدفاع عن حرية المعتقد في وجه القمع والترهيب واﻻضطهاد.


واليوم، ما زال المسيحيون المشرقيون يقدِّمون الدم سخياً تحت العنوانين إياهما، المتوارَثين عن اﻷجداد. وهذا ما يطرح معضلةً حقيقية على بساط البحث:

هل إنّ الذين يقومون اليوم بإعدام المسيحيين وإعدام حضورهم في بلدانهم المشرقية يفعلون ذلك رفضاً لعنوان الإيمان بالله الواحد أو لعنوان الحرّية الإيمانية، أو للعنوانين معاً؟ أوّلاً يقوم هؤﻻء أيضاً بإعدام كلّ من وما لا يشبههم ولا يخضع لهم، حتى أولئك الذين هم من طينتهم وأبناء مِلّتهم؟

الجواب، في أيّ حال، يشكّل فضيحة دينية ووطنية واجتماعية وإنسانية وإدانة تاريخية لهؤﻻء، أياً كانت وجوههم، مكشوفةً كانت أم مموَّهة، ﻷنّها تكشف الزورَ الذي يعيشونه مع أنفسهم أوّلاً، ومع إخوتهم في الله والمجتمع والوطن واﻷرض واﻹنسانية ثانياً. فالمؤمن بالله مؤمن بالخير والمحبّة والحرّية. وإمّا أن يكون الله محبّة وخيراً وحرّية وإمّا أنه لا يكون.

وفي هذا المعنى، ألا يتقاطع زمن الشهادة المسيحي المشرقي مع أزمنة الشهادة اﻷخرى، ﻷبناء الأديان والمذاهب اﻷخرى؟ بل، ألا يستدعي الدفاع عن فكرة الله الواحد وحرّية المعتقد أن تتَّحد نضالات أبناء الخير والمحبة والحرّية، جميعاً، بتنوّع انتماءاتهم الدينية والمذهبية؟

الدكتور خليل، في مقدّمة موسوعته التي أطلقها من المقرّ البطريركي في الديمان، على كتف وادي الشهداء والقديسين، برعاية البطريرك مار بشارة بطرس الراعي وحضوره، يستعين بكلامٍ قاله المسيح لتلاميذه لشرح مفهوم الشهادة. ففي إنجيل يوحنا (16: 2)، يقول المسيح: «بل تأتي ساعة فيها يظنّ كلّ من يقتلكم أنه يقدّم خدمةً لله».

في رأي الدكتور خليل، هذه الآية «تضيء لنا مفهوم لاهوت الشهادة، وتَصلح لأن تكون مقدّمة وخاتمة لكلّ بحثٍ أو تفسير في هذا المضمار. وجيلاً بعد جيل، عاش المسيحيون ما تنبّأت به هذه الآية الربّانية.

ومنذ انبثاق فجر المسيحية في هذا المشرق، استشهد الآلاف والآلاف من أبنائها على أيدي مجموعات وأشخاص جاؤوا يقتلونهم، ظنّاً منهم أنّهم يقدّمون «خدمة إلى الله».

وهؤلاء الأشخاص المتمكّنون، المتَّقدون غيرةً على إلَههم أو آلهتهم، يثورون غضباً على إخوةٍ لهم في الإنسانية لم يرتكبوا ذنباً سوى أنّهم يتمايزون في نظرتهم إلى الربّ، أو أنّ ربّهم لا يشبه ربَّ أولئك، وأنّهم يتبعون سلوكاً إيمانياً ومجتمعياً مختلفاً.

هؤلاء يرون أنّ من واجبهم «تصحيح» هذا التباين. لذلك، يُصبح محتَّماً عليهم أن يُنزِلوا العقابَ بـ»غريمهم»، وحتى أن يقتلوه، دفاعاً عن «هذا» الله أو «هذه» الآلهة، بل نيابةً عنه أو عنها أو تصرّفاً باسمه أو باسمها.

وفي ظنّ هؤلاء أنّ الاضطهاد والتصفية وسيلتان شرعيتان لتقويم «الشذوذ» وإعادة الاعتبار إلى «السلطة الإلهية المطلقة». وفي هذه الأحوال، تغدو الغلبة معياراً للحقيقة وانتصاراً لمدّعيها».

فالمجتمعات المسيحية المشرقية «تعاني ظلم الاضطهاد في هذه الفترة، وهي الأشدّ تاثّراً بتطوراتها التي كادت تجرف ديانات وعرقيات بأكملها. وفي ظلّ النزاعات التي عرفتها شعوب المشرق والبلدان العربية، منذ 2011، باتت كلّ دولة أو مجموعة تدَّعي احتكارَ مفاهيم الإصلاح ودروس الحرّيات وأنظمة العدالة.

ولكن، سرعان ما بدأ ينكشف هول التزوير وتقهقُر المبادىء الإلهية والإنسانية. وكما في كلّ مراحل حياتهم، عاش المسيحيون الارتباك. ولكنّهم لجأوا مرّةً أخرى الى قوّة الرجاء وإلى عناية المحبّة المتجسّدة».

العلم والإيمان

لقد واجَه الباحث كلّ المصاعب العلمية في التعاطي مع المصادر والمراجع والوثائق، وجَمَع مادتَها بصبرٍ وأناةٍ ومحبّة، كما تجمع النحلة رحيقها، استناداً إلى العِلم واﻹيمان معاً.

وهل يُستغرَب أن يكون الدكتور خليل منذوراً لرسالة الروح والشهادة، وهو الذي يَعرفه الجميع منذوراً لرسالة الطبيب اﻹنساني النبيل؟ ومِن موقعه، كمنسّق للجنة الدراسات، أحيط بدعم العديد من رفاق الدرب وذوي العلم والرأي من أساقفة وأكاديميين، فخرَجت الموسوعة بهيّةً تُشبع العقلَ والروح.

تتصدّر الموسوعة رسائل رؤساء الكنائس المشرقية جميعاً، على تنوُّعها، ما يَمنحها الطابع المسكوني ويدعم الفكرة التي يرغب الكاتب في تكريسها من خلال هذا العمل، وهي أنّ نضال المسيحيين المشرقيين جميعاً من أجل اﻹيمان هو نضال واحد ومستمر في الزمان والمكان. وهو ما يقوله البطريرك يوحنا العاشر اليازجي في رسالته الخاصة بالموسوعة: «إنّها تذكيرٌ بتاريخ الكنيسة المجاهدة وبشهادتنا الواحدة».

بعد رسائل رؤساء الكنائس، توطئةٌ للأستاذ جان مراد ثمّ مقدّمة الدكتور خليل، تليها سلسلة مقالات فريدة في الشهادة والشهداء وعلم المارتيرولوجيا، على التوالي: الدكتور سمير خوري، المطران الياس سليمان، الدكتور ضوميط سلامة، الدكتورة ماري خوري، الدكتورة جويل هارون، الدكتور منصور حجيلي، اﻷستاذ جوزف خريش.

وتتضمّن الموسوعة شهاداتٍ للكنائس الشرقية تتناول مفهوم الاستشهاد، على التوالي: المطران منير خيرالله، المونسينيور بول ديفارج، اﻷب الدكتور جورج مسّوح، المونسينيور أنطوان أودو، المطران جورج صليبا، الدكتور إسحق عجبان، المونسينيور بارين فارطانيان.

بعد ذلك، قاموس شهداء الكنائس الشرقية أو السنكسار الموحّد: أرمينيا، إيران، تركيا، اﻷردن، السعودية، سوريا، العراق، فلسطين، لبنان، اليمن، تونس، الجزائر، ليبيا، مصر، المغرب، وشهداء لم تحدَّد أمكنة عيشهم واستشهادهم.

وتورد الموسوعة قواميسَ وملحقات متعلقة بالسنكسار: اﻷمكنة، اﻷعلام، معاني أسماء الشهداء، كرونولوجيا الشهداء، روزنامة أعيادهم العابرة للكنائس، وملامح شهداء المسيح في كنيسة المشرق.

وثمّة خرائط، لبلدان الشرق اﻷوسط وشمال أفريقيا الحالية، من شأنها اﻹضاءة على الأمكنة المقصودة، وضمن أيّ كيانات يقع كلّ منها اليوم، وهي من تنسيق كارين شعنين خليل. ثمّ يَرِد فهرسٌ عام بأسماء الشهداء، ونشيد الشهداء المرفق بالموسوعة على أسطوانة مدمجة (شعر وليم مراد، تلحين جوزف اللويزي وأداء مروان حويك).

في الخلاصة، وفي عودةٍ إلى مقدّمة الدكتور خليل: «أن نكتبَ عن شهداء المسيح في الكنائس المشرقية، فهذا يقودنا بالزمان إلى ما قبل ألفَي عام، ويُعيدنا بالمكان إلى مغارةٍ في قرية بيت لحم المشرقية، حيث انبثقَ نور التجسّد لطفلٍ إلهي، وعلى مقربة منها، إلى تلّة الجلجلة، حيث ارتفع هذا الإله شهيداً مصلوباً وهو في ريعان شبابه، مُعلناً لمخلوقيه أنّه لا يتعاطى معهم بجَبَروته، بل يَعشق معطوبية حياتهم ويتبنّى طريقة موتهم، لتكونَ الطريق التي تُوصلهم إليه.

في أرض المشرق علّمهم سرّ الخلود، فقرّروا البقاء في هذه البقعة من العالم وسَلكوا طريق الشهادة له والاستشهاد على مثاله. عرفوا المشرق قبل أن يدّعي غيرُهم معرفته ويصبغوه بألوان انتمائهم. فباتَ مِن الطبيعي إذاً أن يعيشوا وينموا ويتفاعلوا في هذه الأرض، وأن يشعروا بأحقّية وجودهم وسُموّ رسالتهم. ولا حاجة إلى التشكيك في انتمائهم الجغرافي وفي سلمية خياراتهم، وفي أوّلها محبّة البشَر والشهادة للقِيَم».

الجمهورية

 

بقلم طوني عيسى