صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

مسألة أقليات أم «مركزيات»؟ بقلم سمير السعداوي ...

 

ما يجري في المنطقة ليس مفهوماً. من الأمثلة المذهلة ما أشار إليه المبعوث الدولي إلى ليبيا غسان سلامة قبل أيام، حول البحث عن هوية وطنية ضائعة في هذا البلد الذي تتنازعه الأهواء والعصبيات منذ زوال القبضة المركزية للعقيد معمر القذافي قبل 7 سنوات.

في الجانب الآخر من المنطقة، قضية أخطر تطرق أبواب العراق الذي لطالما حذّر العقلاء من أن غزوه سيوقظ أحلاماً وتطلعات تاريخية لدى مكوناته العرقية و «يشعل خريطة» الوضع القائم في الدول المجاورة.

صحيح أن الأكراد عانوا صنوف الاضطهاد وقدرهم أن يكونوا شركاء في «أوطان غيرهم»، ينتزعون انتزاعاً حقهم في الاحتفاظ بثقافتهم وتوارثها عبر الأجيال، لكن السير في هذا الاتجاه مقلق بالنسبة إلى جيل المحافظين الذين ترعرعوا في أواسط القرن الماضي على حلم القومية العربية و «دغدغت» مشاعرهم أناشيد النصر والهزيمة التي تكاد لا تختلف إيقاعاً وكلمات، في تمحورها حول المقولة «الخالدة»: «ارفع رأسك يا أخي العربي!». ترى، هل حان بدلاً من ذلك، وقت مخاطبة كلٍ في منطقته وإثنيته وطائفته؟

يتساءل ديبلوماسي عربي متقاعد حطت به الرحال في إحدى العواصم الأوروبية: هل ثمة امتداد للنزعات الاستقلالية؟ ولماذا ننكر على الأكراد والأمازيغ في «المغرب العربي» وسائر الأقليات في منطقتنا أن تكون لديهم طموحاتهم، في حين أن أوروبا بما امتلكته من إغراءات لتشجيع الانصهار، تعاني «مسائل» مماثلة؟ ها هم الاسكتلنديون ينتفضون ضد الاتحاد مع بريطانيا منذ قرارها الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، فيما تشهد إسبانيا صراعاً حاداً مع دعاة استقلال كاتالونيا انعكس مواجهات في شوارع برشلونة. والأمر يتكرر في كورسيكا التي سمعنا بها للمرة الأولى صغاراً على مقاعد الدراسة من خلال رواية «كولومبا»، المرأة البسيطة التي لا تتوانى عن إثارة دوامة عنف عائلية- مناطقية، انتقاماً لمقتل أبيها.

كان ملفتاً اتهام رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قادة إقليم كردستان بالفساد، وكأنه أراد بذلك «قفزة إلى الأمام» لتفادي تحميله والحكومات «المركزية» المتعاقبة مسؤولية دفع الأكراد إلى خيار الاستفتاء على الانفصال الذي حرصوا على تأكيد أنه لن ينتج استقلالاً تلقائياً قبل التفاهم مع بغداد وعواصم معنية أخرى.

لكن الصراع على الموارد يثير دائماً شهية الحكومات المركزية، كما العواصم الكبرى. ويصعب تصوّر أن يضع كيان بمفرده يده على موارد مهما كان رصيده من إنجازات في التنمية والبناء، كما الحال بالنسبة إلى تجربة أربيل. والتضحيات دفاعاً عن مصير وأمن واستقرار اجتماعي تعني أيضاً التجربة التي خاضها «البيشمركة» بنجاح ضد تنظيم «داعش» الإرهابي. بهذا المعنى، قدّم الأكراد ما استطاعوا ولم يعد جائزاً بالنسبة إليهم أن يُطلب منهم مزيد من التضحيات، وهم يرون أن حكومة بغداد، كما الحال بالنسبة إلى الحكومات المركزية في كل مكان، لم تبذل جهداً في سبيل توزيع عادل للضمانات وصون الحقوق، ناهيك عن توفير الفرص.

ليست الحكومات المركزية محقة في التراخي حيال مطالب المكونات العرقية، ولا في المبالغة بالقلق حيالها، كما تفعل تركيا وإيران المتوجستان من انتقال العدوى إلى أراضيهما. والمشهد مماثل في تعاطي الدول المجاورة لليبيا مع الفوضى التي تعيشها. يشكل الأكراد 20 في المئة من سكان تركيا، فيما يمثلون نسباً تراوح بين 16 في المئة و8 في المئة من السكان في إيران والعراق وسورية. وثمة قناعة بأنه إذا استقل أكراد العراق فستسقط تركيا في «فخ التجربة» التي لا تبدو الدول الكبرى مستعدة للسماح بها.

الحياة

بقلم سمير السعداوي