صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

المسيحيون الأردنيون... الرعاية الروحية والزمنية لا تكفي بقلم زهير ......

المسيحيون الأردنيون... الرعاية الروحية والزمنية لا تكفي بقلم زهير هواري

 


يختلف المسيحيون الأردنيون عن أقرانهم في العالم العربي، بأنّهم طوال تاريخ المملكة حصلوا على وضع مميز وتنعموا بالسلام والأمن. وبذلك، فإنّ من اللافت تناقص أعدادهم. تناقص تبرره ظروف مختلفة.

بالرغم من أنّ تقديرات نسبة التراجع في أعداد مسيحيي الأردن تتباين، إلّا أنّ تقديرات نسبة الباقين هي ما بين 3 في المائة أو 4 في المائة من سكان المملكة في الوقت الراهن، بعدما كانت نسبة المسيحيين من قبل نحو 12 في المائة من السكان تبعاً لإحصاء أجري عام 1956. فمن أصل العدد الكلي للسكان البالغ نحو 6 ملايين نسمة بات الآن عدد المسيحيين في الأردن نحو 250 ألفاً فقط، وهذا العدد يشمل المقيمين والمهاجرين، بينما يتراوح عدد المقيمين منهم في المملكة ما بين 170 و190 ألفاً، علماً أنّ الزيادة الطبيعية كان يفترض بها أن تدفع الأعداد صعوداً. 

مذاهب ومناطق 

الفارق شاسع ما بين صورة الماضي وما كانت عليه والأرقام التي تظهر على شاشة الحاضر على الرغم من الرعاية البابوية والملكية، خصوصاً أنّ الأردن لم يعرف أحداثاً طائفية كالتي عرفها غيره من بلدان عربية قريبة وأجنبية بعيدة، بالنظر إلى القبضة الأمنية التي تضبط الأوضاع عن الانفلات، من دون إغفال بعض الحوادث المتفرقة التي استهدفت البلاد ككل، وليس هذه الشريحة بذاتها. والأردن هي الدولة العربية الوحيدة التي زارها ثلاثة بابوات كاثوليك، هم بولس السادس ويوحنا بولس الثاني وبنديكتوس السادس عشر، واطمأنوا خلالها على سلامة أوضاع رعاياهم فيها، وأن لا قيود فيها على نشاطهم المدني والروحي، خصوصاً لجهة إنشاء الكنائس أو المؤسسات الكنسية في البلاد. وعموماً تصنف الأقلية المسيحية في الأردن على أنها أقلية مستقرة وناجحة، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي. 

يقطن المسيحيون في الأردن في شمال وجنوب البلاد، خصوصاً في مدن مأدبا وعجلون والفحيص وماحص والكرك وإربد والزرقاء والعاصمة عمّان، وهم ممثلون في البرلمان بـ9 مقاعد من أصل 130، أي ما يتجاوز وزنهم العددي، كما أنّهم ممثلون في الحكومة عبر وزراء على نحو شبه دائم، وفي مختلف أجهزة الدولة. 



تقول دراسة أعدها الأمير الحسن بن طلال (عم الملك)، إنّ "عدد المسيحيين في الأردن، وبين عرب فلسطين وإسرائيل، هو نصف مليون، مقسم بالتساوي تقريباً بين أردنيين وفلسطينيين، وهو ما يعني 6 في المائة في كلتا الحالتين". وهو رقم متفائل بالقياس إلى الأرقام التي أشرنا إليها من قبل والتي تراوح ما بين 3 و4 في المائة من عدد السكان، مع العلم أنّ هناك تقديرات تذهب إلى ما دون النسبة التي أشرنا إليها، حتى أنّ العدد الإجمالي وهو 250 ألفاً يراه البعض مبالغاً فيه، لأنّ الرقم الفعلي كما تعلن بعض التقديرات هو 220 ألفاً لا أكثر، أي 3 في المائة من إجمالي عدد السكان، مع مراعاة هجرة الفلسطينيين إلى الأردن بعد عامي 1948 و1967 في تركيبة الطوائف المسيحية. 

يتوزع المسيحيون في الأردن على النحو الآتي: 120 ألفاً من الروم الأرثوذكس، و33 ألفاً من الروم الكاثوليك، و5 آلاف من اللاتين، و7 آلاف من البروتستانت، و5 آلاف من الأرمن الأرثوذكس، و3300 من السريان الأرثوذكس، و1300 من الأقباط، و600 من السريان الكاثوليك. 

وفقاً للإحصاءات التقريبية التي أعدتها اللجنة الإعلامية التحضيرية لزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر للأردن، فإنّ عدد المسيحيين الأردنيين وصل إلى 250 ألفاً، بينما تراوح عدد المقيمين منهم بين 170 و190 ألفاً. ما يعني أنّ هذه الدراسة تؤيد الرقم الأكبر للعدد وهو 250 ألفاً. وتعزو الدراسة أسباب هذا التراجع في المقام الأول إلى هجرة المسيحيين من الأردن التي تعود إلى عوامل عدة، منها ما ارتبط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية والمحيطة، والخصائص الثقافية والمهنية، ولعلّ السبب الرئيس يكمن في ما يمتلكه المسيحيون من كفاءات ومؤهلات بسبب المستوى العلمي والاقتصادي والتعليمي العالي عندهم، وهو كما هو معروف أعلى منه لدى المسلمين في الإجمال. 

 



هجرة وتهجير 

الطوائف المسيحية المعترف بها من جانب الدولة الأردنية هي: الروم الأرثوذكس وهم الأغلبية ويتبعون بطريركية القدس وشرق الأردن، وكنيسة اللاتين ومركزهم بطريركية القدس، وكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، وكنيسة الأرمن الأرثوذكس، والكنيسة المارونية، والأنغليكانية، والكنائس الآشورية، ويشكل أتباع هذه الكنائس غالبية سكان الأردن المسيحيين. 

والإحصاءات التي أشرنا إليها سابقاً لا تضم الطوائف والجماعات المسيحية التي لم تدخل في الإحصائيات لأنه لم يجرِ الاعتراف بها من الحكومة، علماً أنّها تستطيع أن تمارس طقوسها بحرية مثل: أتباع الكنيسة الإنجيلية اللوثرية، والكنيسة المعمدانية، والكنيسة الإنجيلية الحرة، وكنيسة الناصري، ويسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة، والكنيسة الخمسينية، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وجمعيات الله، والتحالف المسيحي التبشيري، وجماعة شهود يهوه، وكنيسة المورمون، والكنيسة الأرثوذكسية الروسية، والكلدان الكاثوليك، والكنيسة التوحيدية، وغيرها. 



يبدو من الدراسة المشار إليها أعلاه وغيرها أنّه بالرغم من الهوة بين الإحصاء الذي أجري قبل 60 عاماً والعدد الراهن فالمسيحيون يمعنون في تيار الهجرة، ومصدر الكتلة المسيحية سواء أكانت تحمل الجنسية الأردنية أم لا، هي الهجرة التاريخية من فلسطين حيث محيت قرى مسيحية بأكملها من الوجود وطُرد أهلها أو قتلوا، وهكذا فإنّ كنائس اللد وبيسان وطبرية داخل إسرائيل حالياً إما قد دمرت عن قصد من جانب الجماعات الصهيونية المتطرفة أو أغلقت لرحيل أتباعها من البلاد. والمعروف أنّ غالبية سكان القدس الغربية كانت من المسيحيين، ولدى السيطرة الصهيونية عليها عام 1948 مُسحت أحياؤها بالبلدوزرات، وهجِّر سكانها ونشأت مكانها أحياء سكنية يهودية في إطار "القدس الغربية اليهودية". 

يقول المؤرخ الفلسطيني سامي هداوي، إنّ نسبة تهجير العرب من القدس بلغت 37 في المائة بين المسيحيين، مقابل 17 في المائة بين المسلمين، لكن في هذا الوقت ظهرت كنيسة عمّان التي كانت تعدّ بضع مئات ليصل عدد رعاياها إلى عشرة آلاف نسمة نتيجة شتات التهجير واحتضان الرعايا الذين حضروا من القدس والمدن الفلسطينية الأخرى. كذلك، نشأت تسع كنائس جديدة في الزرقاء للاتين وحدهم. ولم يقتصر ذلك على مفاعيل النكبة الفلسطينية عام 1948 والنكسة عام 1967، إذ إنّ السيطرة في الحرب الأخيرة على القدس الشرقية أكملت ما بدأه الاحتلال الأول، ومع تنفيذ سياسات المصادرة والاقتلاع والتقييد والحبس الاحتياطي والتضييق على المراكز الدينية لا سيما المسيحية، استمر التدفق على الأردن كمحطة مؤقتة نحو السفر إلى الدول الأوروبية والأميركيتين الشمالية والجنوبية. 



الثورة وفلسطين 

من المعروف أنّ المسيحيين الأردنيين وأغلبيتهم من الأرثوذكس من أقدم المجتمعات المسيحية في العالم. ويعود انتشارهم إلى بدايات القرن الميلادي الأول. ويتحدر كثيرون منهم من القبائل العربية التي أدارت شؤون هذه المناطق في ظل السلطات المتعاقبة، مثل الغساسنة ولخم وقضاعة وبني سليح وكلب، وجميعها كانت على المسيحية. وقد حافظت على وجودها بعد زوال الإمبراطورية الرومانية، كما يتأكد من أعمال كبار المؤرخين العرب والسريان، كما ساهمت في الفتوحات الإسلامية على نحو فاعل، وانحازت إلى الفاتحين العرب سواء ضد الفرس أو ضد البيزنطيين، ما مكنها من لعب دور سياسي قيادي في تركيبة وبُنية الدولتين الأموية والعباسية على حد سواء. 

وقد قاوم المسيحيون الأردنيون مثلهم مثل المسلمين السلطنة العثمانية وساهموا في الثورة عليها عام 1916، ما آذن بسقوطها. كما لعبوا دوراً ريادياً في انتزاع الاستقلال وساهموا في تدعيم بناء ركائز بلادهم في عهدها الجديد. 

كذلك، كان لكثيرين منهم دور في الدفاع عن عروبة فلسطين وقدموا حياتهم في معارك مقاومة السيطرة الصهيونية عليها. وبعد احتلال الضفة الغربية والقدس عام 1967، كان المسيحيون في الداخل والأردن في صفوف المقاومين قياديين ومناضلين وسقط منهم مئات الشهداء والجرحى. 



ثلث الاقتصاد 

المسيحيون في الأردن مكوّن نشيط من مكوّنات المجتمع في المدن والأرياف على حد سواء، حتى أنّهم يتمتعون بثقل يفيض عن وزنهم العددي المشار إليه أعلاه، وهم معروفون وبارزون في كثير من المجالات، ولهم علاقات بالأسرة الملكية الهاشمية لا يمكن أن توصف بأنها أقل من متينة، ومع كلّ مكونات البلاد بما فيها القبائل والعشائر. ينتمي كثيرون منهم إلى مختلف التيارات السياسية، من قومية ويسارية وليبرالية، فضلاً عن حضورهم الملموس في النقابات والاتحادات العمالية ومنظمات المجتمع المدني. أما في المجال الاقتصادي فحضورهم أكثر مما هو عليه ثقلاً في المضمار السياسي. فهم يلعبون أدواراً مهمة في إدارة البنوك ومجالس إدارة الشركات. ولهم حضورهم في صفوف النخبة والفئات المهنية المرموقة من أطباء ومحامين ومهندسين وصحافيين. كذلك، فإنّهم أكثر تأثراً بالغرب، ولديهم نسبة متعلمين أعلى من النسبة السكانية التي يشغلونها بالقياس إلى سواهم، وينتمي معظمهم إلى الطبقة الوسطى والعليا، وبذلك فهم يعتبرون من الأقليات الناجحة. وهناك فئة ليست عريضة من الفقراء تتركز في المناطق الريفية سواء أكانت زراعية أو رعوية. وعلى الصعيد الاقتصادي بالإجمال، بحسب جريدة فايننشال تايمز، يمتلك ويدير المسيحيون نحو ثلث اقتصاد الأردن. 

المشكلة التي يعانيها المسيحيون الأردنيون تتمثل في تيار الهجرة الكاسح الذي يعمل على استنزاف جموعهم منذ أكثر من سبعين عاماً، وهو تيار يتغذى من عوامل ثقافية في معظم الأحيان ودينية إلى حد ما، وهو حاضر بقوة لدى الأجيال الجديدة، ما يعني تعاظم وخطورة حال النزف في صفوف الشباب وصغار السن والخريجين الجدد في مختلف الاختصاصات العلمية والنظرية. لكنّ الأكثر إثارة لنزوعهم نحو الهجرة الطوعية يتمثل في تلك الهواجس التي تصل إلى أسماعهم عبر طلقات دوي المدافع التي لا تنقطع في جبهات الجارتين سورية والعراق، فضلاً عما عرفوه ويعرفونه عما حدث في فلسطين من قبل في العامين 1948 و1967 عندما وقعت الضفة الغربية، لا سيما مدنها المسيحية، وأبرزها القدس وبيت لحم، في قبضة قوات الاحتلال التي مارست عملية تفريغ لفلسطين من شعبها الحقيقي لإحلال مستوطنين مكانهم، فكان نصيب الوجود المسيحي قاسياً إلى الحد الذي بات معه هذا الوجود مهدداً بالمحو الكامل في ديار هي ديار السيد المسيح والمسيحية من دون منازع. 

خاتمة 

ما يجري في المنطقة العربية في الدول التي تناولناها في هذا الملف وحتى في تلك التي تبدو بعيدة عن الأعين يثير المخاوف والقلق على المصير ويجعل غريزة البقاء تندفع راحلة إلى الدول الأوروبية وغيرها. وهكذا يخسر الأردن شبابه وتخسر البلاد العربية تجربة من التعددية والتنوع كان وما زال من الواجب الحفاظ عليها مهما كلف الأمر من تضحيات وجهود. 

*باحث وأستاذ جامعي

 

عن العربي الجديد

بقلم زهير هواري