صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

كلمة المطران مار إقليميس دانيال كورية متروبوليت بيروت للسريان ......


كلمة المطران مار إقليميس دانيال كورية متروبوليت بيروت للسريان الأرثوذكس في مؤتمر "التنوع الديني والثقافي والعيش المشترك في الشرق الأوسط " في أثينا

 

  

 

أصحاب المعالي والسعادة والسماحة والسيادة الجزيلي الاحترام

 

إنَّ من أهم الركائز التي تعلَّمناها ونُعلّمها هي توظيف كل طاقاتنا الفكرية واللاهوتية في خدمة المجتمع والقيم والضوابط الأخلاقية السامية، كحفظ العدالة المجتمعية ونشر ثقافة السلام والتسامح والوئام، وقبول الآخر، ومنها كيف نتعامل مع من هم  بضيق بغض النظرعن دينهم ومعتقدهم وأثنيتهم، وقدوتنا في كل ذلك هو مثل السامري الصالح (ولِمن لايعلم كيف تكون الانسانية والرحمة والمحبة المسيحية بذروتها سيجدها في الانجيل المقدَّس في الإصحاح العاشر من إنجيل لوقا).

كرجال دين مسيحيين مشرقيين، وأنا بالذات واحد منهم، كأحد المطارنة في العاصمة اللبنانية بيروت، ولي الفخر بأنَّني قد وُلدت في بلاد مابين النهرين في مدينة القامشلي السورية والمجاورة للحدود التركية والعراقية، هذه المدينة التي بدأت حياتها كمخيَّم للمهاجرين والمُبعدين والمُسفّرين خلال الحرب العالمية الأولى كضحايا للإبادة الجماعية التي تمَّت بحق الشعوب السريانية والأرمنية واليونانية، والتي نسميها بالسريانية (سيفو) أي السيف،( والشعب اليوناني يعرف تماما معنى السيف إذ أن النشيد الوطني اليوناني يبدأ بعبارة " إني اعرفك ِ اي للبلاد من ذبائح السيف المرعبة" فموضوع الهجرة كان ومايزال جرحاً أليماً في ذاكرتنا وقلوبنا، ومع كل أسف وفي مطلع القرن الحادي والعشرين نعاني مرَّةً أخرى من سيفو ثانية قد تكون أقسى بكثير من الأولى، وكرجال دين وجدنا أنفسنا في وسط محيط من المقتلعين والمطهّرين ديننياً-عرقياً والمهجرين داخلياً وخارجياً والمختطفين والمعنّفين  والسبايا،  وانجلت لدينا وعن خبرة ميدانية واقعية صورة الإنسانية بكل بشاعتها وقبحها.

رجائي لكم ونحن في هذا المؤتمر الكبير بأنْ لا نضع أنفسنا في خندق الأمورالنظرية التي لاتطبيق ولا واقع لها على أرض الواقع، وحذاري أنْ نكون نحن هنا سبباً في زيادة طينهم ومأساتهم.

إنَّ التهجير والتطهير العرقي والديني والهجرة اثروا بصورة سلبية جدا على ديمغرافية المسيحيين، ومع هذا فان التعايش الديني يعتمد بدرجة كبيرة على الوضع الامني وعلى الاستقرار السياسي، فان توفر هذان العاملان قد يخففان من النقص بالحضور الديمغرافي، فالصورة المأساوية  لهذا التوزيع الديموغرافي لغالبية المسيحيين في سوريا والعراق اليوم لا تشجع ابداً، ومعظم مسيحيو سورية والعراق اليوم قد هاجروا إلى بلاد الغرب وغالبية الذين بقيوا هم مهجَّرون داخلياً ويعيشون في مناطق متنازع عليها، واعذروني عن عدم استعمال المصطلح الدخيل (الأقليات) لأننا كلُّنا مسيحيون ومسلمون مواطنون من الدرجة الواحدة المتساوية نفسها.

فهذا الوضع المأساوي الذي وصل إليه المسيحيون في الشرق الأوسط  في مقتبل القرن الحادي والعشرين، بعد أنْ عاشوا وتعايشوا مع كل من شاركهم في وطنهم ولألفيتن كاملتين، لايمكن أنْ يُعالج من دون اعتراف الأمم المتحدة بأنَّ هذا المكوّن المُستضعف الغير مسلح والمسالم قد تعرَّض إلى اقتلاع وتطهير عرقي ويتعرَّض لانقراض في وطنه الأصلي وهذا يُعَد بالقوانين الدولية جريمة ضد الإنسانية، والأمم المتحدة لم ولا تبدو مكترثة، بسبب جسامة مسؤولياتها، لأنَّه إن تم هذا الاعتراف من قبل الامم المتحدة، (وهذا ماهو متوقع منها كمنظمة إنسانية وعالمية)، فمن المفروض أنْ تتبناه اتوماتيكياً أو تضغط على دساتيرالدول التي يعيش فيها مسيحيو الشرق (حتى في دول الشرق الأوسط التي لم يتم بها التطهير العرقي) وبقية دول العالم، فإن كان هنالك من يدافع عن (سجناء الضمير والسجناء السياسيين) فمن الواجب أن نعمل على إيجاد من يدافع عن المقتلعين والمطهّرين دينياً وعرقياً والمُعرَّضين إلى انقراض في أوطانهم الأصلية، فحالتهم ووضعهم الحالي مشابه لِما تعرَّض له الهنود الحمر والسكان الأصليون في استراليا، ولهذا يجب تثبيت حالتهم هذه في دساتير بلادهم لضمان وجودهم وتمتعهم بحرية العقيدة وجميع الحقوق الأخرى حتى وإنْ بقي عائلة واحدة يجب أنْ يُوفر لها هذا الضمان الدستوري.

ومن هنا يجب علينا أنْ نُراجع و ندرس الدساتير والقوانين التي تتحكّم بحقوق مواطنة المسيحيين في هذه البلدان التي يتواجد بها المسيحيون كسكان أصليين، ونعمل على جعلها منصفة بدرجة متساوية بغض النظر عن الدين وتتماشىء مع العصرنة والتمدن، وخاصة في الدول التي يكون فيها الاسلام هو المصدر الوحيد للتشريع ويُلغي اتوماتيكياً كل قررا يناقض أحكام الاسلام.

ونحن كرجال دين من دون الدعم الدستوري نرى أنفسنا مكتوفي اليدين ونحن نحاول أنْ نقدّم  كأس ماء وقطعة خبزٍ وجرعة دواء لهؤلاء الضعفاء.

وأيضاً لا بدَّ لنا من التطرّق إلى موضوع  استهداف أماكن العبادة والرموز الدينية:

فلو نظرنا إلى الأزمة السورية والعراقية وحتى المصرية، نلاحظ هنالك استهداف ممنهج للرموز الدينية وأماكن العبادة، فعدد لايُحصى من أماكن العبادة والكنائس التاريخية والأديرة استُهدفت وفُجِّرت بتخطيط مُمنهج وبتقنية عالية جداً تدل على أنَّ الجاني ليس عابر سبيل وقد وضع عبوة ناسفة وفقط.  

وليس بالخفي على المطّلعين: فإنَّ العدد الكبير من رجال الدين المسيحي من مطارنة وكهنة ورهبان وراهبات في الموصل وحلب وحمص ومعلولة الذين تم خطفهم أوتصفيتهم جسدياً لإثارة الذعر والخوف بين المجتمعات المسيحية وزعزعة تشبّثها في أرض الآباء والأجداد، إذ أنَّه في الأزمات المعاصرة أصبح الاختطاف آلة حربية ناجحة استعملت لترهيب الشعب وقادتهم الدينيين، والأمم المتحدة تُقونن وتنظّم الإتصالات مع أسرى الحرب، ولكن ليس للأمم المتحدة اهتمام أو آلية لمتابعة المختطفين.

ولنا مثال حي يعرفه الجميع هو اختطاف وتغييب مطراني حلب بولس يازجي ويوحنا ابراهيم رجل الحوار والعيش المشترك وصاحب كتاب قبول الاخر، ومنذ 22 نيسان ابريل 2014 ، لا إثباتات حسيّة مؤكَّدة لدينا ولكن لدينا الكثير من المعلومات بأنَّهما أحياء، وبالرغم من جميع المحاولات والمعطيات لم نتوصل لإطلاق سراحهما بسلام، وأرجو من أصحاب النفوذ الحاضرين معنا المساعدة في هذه القضية.

أمّا بالنسبة للمساعدات الإنسانية: فلا شك بأنَّ المساعدات الإنسانية هي من أهم العوامل التي تساعد وتوفّر للمهاجرين والمهجرين داخلياً الديمومة والإغاثة والخدمات الطبية والثقافية والحد الأدنى لجميع متطلبات العيش الأخرى، وهذه المساعدات سيف ذو حدين لأنها قد تودّي إلى الإدمان على استلام المساعدات وشل هذه المجتمعات وجعلها غير منتجة على المدى القريب والبعيد، بالإضافة إلى احتمالات انتشار الفساد بين القائمين على الحصول وتوزيع هذه المساعدات ولهذا على الحكومات والمؤسسات الغير حكومية والكنائس أن تعمل على إنهاء حالات التهجير والهجرة الداخلية بأسرع وقت ممكن، لكي يعود هؤلاء الناس والمجتمعات إلى بيوتهم ومحلات إقامتهم وأعمالهم ويعودوا إلى العيش الكريم في مناطقهم.  

وصدقوني لولا دعم الكنائس ومنظماتها الخيرة لهم ماذا  كان سيكون عليه وضع المهجرين داخلياً؟

وشكراً...

مار إقليميس دانيال كورية

متروبوليت بيروت للسريان الأرثوذكس

 

بقلم المطران دانيال