صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

- الداعشية كنزعة عابرة للإتجاهات السياسية وللأديان بقلم محمد ......

- الداعشية كنزعة عابرة للإتجاهات السياسية وللأديان بقلم محمد سيد رصاص

 

جريدة"الاتحاد
ولد المذهب السُني من (المرجئة) الذين قالوا ،ضد تكفيرية الخوارج لطرفي الصراع ثم التحكيم في معركة صفين،بإرجاء الحكم للسماء بعيداً عن البشر لتقرير من هو المذنب وبالتالي (تحديد من هو المؤمن؟).كان الإمام علي بن أبي طالب، قبل سنة من (صفين)،قد قام بعد انتصاره في معركة الجمل عام36هجرية بجمع قتلى الطرفين ثم صلى عليهم جميعاً ودفنهم في حفرة واحدة عند شط العرب في موقع مدينة الزبير الحالية قرب البصرة وقد سميت بهذا الاسم نسبة للزبير بن العوام،ابنصفية عمة الإمام علي،الذي دفن هناك وكان أحد متزعمي المعسكر المضاد لابن خاله.عند دفنهم قال الإمام علي عنهم جميعاً العبارة التالية:"مسلمونواختلفوا".كان الإمام أبوحنيفة تلميذاً للإمام جعفر الصادق :هنا وباستثناء ابن تيمية(661-728 للهجرة)،الذي كفرً الشيعة بمختلف فرقهم وسُنَة الصوفية والأشاعرة،لانجد في التراث السني الفكري نزعة تكفيرية للآخرين من المسلمين،كماأن الشيعة الإثنيعشرية،الذين قالوا ضد تكفيرية الخوارج لعلي وفريقه بأنه "الإمام المعصوم "، ينظرون للسنة كمسلمين يختلفون مع الشيعة في الاعتقاد بولاية الأئمة الإثنا عشر .
ارتبطت النزعة الخارجية بالتكفير منذ بدايتها عندما انسحب زعماء الخوارج من (صفين) واجتمعوا في بلدة(حروراء)قرب الكوفة.في ذلك المجلس ،ومنه تسميتهم الأولى ب(الحرورية)،أعلن الخوارج تكفير "عثمان وعلي ومعاوية".تطورت النزعة التكفيرية عند الخوارج لتصل عند نافع بن الأزرق(قتل عام65)،زعيم فرقة الأزارقة،إلى تبرير قتل "مخالفي الخوارج وأطفالهم ونسائهم".عند زعماء الخوارج الكبار:نجدة العامري(قتل عام68)وقطري بن الفجاءة(قتل عام78)هناك موافقة على ماقاله وفعله ابن الأزرق،وقد تطورت التكفيرية عندهم إلى قتل مخالفيهم أيضاً من الخوارج الآخرين.
إذا أردنا تفكيك تحليلي يمكن القول:الفكر هو المرحلة الأولى ثم اليد ولولاالفكر لم يحصلالسيف.القتل ينطلق هنا من موقف فكري،يرى الآخرين كفاراً ويعتبر نفسه هو المؤمن،وهومايسوغ له حمل السيف وقتلهم.انطلق الخوارج في رفضهم للتحكيم في (صفين)من شعار:"لاحكم بالرجال ولاحكمإلابالله"،واعتبروا علياً قد خالف هذا الشعار وحاد عنه لماقبلالتحكيم.كانت البداية هي (التكفير)عند الحرورية ثم قادت هذه المحطة إلى (القتل)عند الأزارقة.
في العصر الحديث وجدت متابعة للنزعة الخارجية،أوتشابهمعها،من خلال (أبو الأعلى المودودي1903-1979)و نظريته حول(الحاكمية لله) التي قدمها عام1941بكتاب"المصطلحات الأربعة " حيث قال فيه:"الألوهية تشتمل على معاني الحكم والملك".تأثر بنظريته سيد قطب في كتابه:"معالم في الطريق" عام1964،حيث رأى "الاسلام منهج الله للحياة البشرية"(ص111،مكتبة وهبة ،القاهرة1964) وليصل من خلال ذلك إلى تصوره ل(المجتمع الجاهلي) الذي يراه في "كل مجتمع غير المجتمع المسلم...إنه هو كل مجتمع لايخلص عبوديته لله وحده...متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي وفي الشعائر التعبدية وفي الشرائع القانونية"(ص120)وليخلص من خلال ذلك إلى تكفير الجميع الذين هم خارج هذه الدائرة:"وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلاً"(ص120).يرى قطب أن "البعث الاسلامي" لكي يبدأ لابد له من "طليعة تعزم هذه العزمة ..ولابد لهذه الطليعة..من (معالم في الطريق)"(ص ص 10-11).سيد قطب كان مسار فكره،عبر الشيخ الإخوانيعبدالله عزام وتأثيراته على أسامة بن لادن وعبر الدكتور أيمن الظواهري المتأثر بكتابات سيد قطب،مؤدياً إلى أن تكون كتاباته هي الأساس الفكري لتنظيمي (القاعدة)و(داعش).
هناك آراء عديدة بأن سيد قطب ،الذي مر بفترة من اعتناق الشيوعية،كان متأثراً بنظريته حول (الطليعة)بكتاب لينين:"ماالعمل؟"عام1902الذي قدم فيه نظريته حول (الحزب)والذي اعتبر أعضاءه بمثابة (طليعة ثورية)تقود الطبقة العاملة التي لايمكن أن تصل إلى أكثر من "الوعي العفوي"وأن من واجب تلك الطليعة "تصدير الوعي الثوري"إلىهناك.عملياً كانت النظرية اللينينية حول (الطليعة)مؤدية إلى نظرة أبعد لتصل إلى نظرة للمجتمع والبشر تسوِغ إعادة هندستهما وإعادة تشكيلهما عبر البرنامج الموضوع إن نجحت تلك الثورة وأدت لوصول الحزب و(الطليعة)للسلطة.هنا نجد نظرة للبشر وللمجتمع باعتبارهما عجينة يمكن الشغل عليهما من أجل خبزهما للوصول إلى الغايات المقررة من الحاكمين الحزبيين.من دون هذا لايمكن تفسير عنف ستالين في التجميع الزراعي1929-1932الذي أجبر ملايين الفلاحين بالعنف على الانتظام في (الكولخوزات)وأجبر الملايين منهم على الذهاب للمدن وأن يوضعوا في المصانع كعمال ،وهناك تقديرات بأنه في عملية الكلخزة قد قتل مئات الآلاف من الفلاحين إن لم يكن أكثر.النزعة"الطليعية"تصل أبعد عندما ترتد ضد أصحابها حيث أعدم قادة الصف الأول للحزب البلشفي في محاكمات1936-1938 برضى الحزبيين السوفيات وقادة الحركة الشيوعية العالمية،وفي تلك المحاكمات أعدم ثمان وتسعون من أعضاء اللجنة المركزية المنتخبة في المؤتمر السابع عشر للحزب عام1934من أصل مائة وتسع وثلاثون عضواً.في حرب البوسنة1992-1995مارس الشيوعيون الصرب بزعامة سلوبودان ميلوسيفيتش،وبالتحالف مع الكنيسة الأرثودكسية،عمليات قتل جماعية واغتصاب للنساء وتهجيرات جماعية للمسلمين والكروات الكاثوليك البوسنيين.عندما تم قتل جماعي ممنهج للهنود الحمر على يديأوروبيي العالم الجديد كانت هناك مباركة من الكنيسة لذلك.الآن يتم هذا على يدي الرهبان البوذيين في ميانمار عندما يشاركون ويؤدلجون قتل مسلمي الروهينجا على يدي الجيش .
هنا،من الضروري التوضيح بأنه ليس المراد المساواة بين الحالات المذكورة هنا من دون تلمس الفوارق التي تأتي من الانتماء الأيديولوجيأوالديني،ولكن كان المراد هو تلمس النزعة إلى قتل "الآخر" انطلاقاً من وعبر قناعة فكرية بحيث يكون السيف أو زناد المسدس مسبوقاً بذهن مقتنع وراض عن عملية القتل ومسوغ لها فكرياً قبل وبعد امساك اليد بمقبض السيف أوبالزناد،وهذا ماينطبق أيضاً على أنصار صاحب السيف والمسدس الراضون والمؤيدون لذلك بيدهم ولسانهم وقلبهم.هذا يمكن أساساً أن يكون عند أصحاب أيديولوجيات،ولكن أيضاً يمكن أن يكون عند مصابين بفوبيا أورهاب من خصم آخر،كمانجده الآن عند الكثيرين من المصابين برهاب من الاسلاميين،سواء كانوا خصوماً سياسيين للاسلاميين أومن أقليات،وهومايدفعهم هذا الرهاب إلى تسويغ ارتكابات وأعمال قتلوتدميرللحجر والبشر.

 

بقلم محمد سيد رصاص