صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

قُصّر وحيدون في مهب اللجوء بالسويد بقلم رؤوف بكر ...

قُصّر وحيدون في مهب اللجوء بالسويد بقلم رؤوف بكر

  •  
  •  

غوتنبورغ (السويد) - رؤوف بكر 

يُعتبر الأطفال والنساء من الشرائح الأكثر تأثراً بالحروب والاضطرابات. وعليه، فإنهم يشكلون النسبة الأكبر بين اللاجئين. وفي الأعوام الأخيرة، برزت فئة أملتها ظروف النزاعات حول العالم، وهي القصّر غير المصحوبين بذويهم. وفي السويد، تكشف الأرقام أن المملكة الإسكندنافية من الوجهات المفضلة لهؤلاء الذين يأتي معظمهم من أفغانستان وإريتيريا والعراق وسورية وكوسوفو.

ففي عام 2015، قدّم حوالى 35 ألف قاصر أتوا بمفردهم، طلبات لجوء في السويد، نصفهم تبلغ أعمارهم 15 سنة أو أقل، ونحو 3 آلاف منهم فتيات. لكن سرعان ما انخفضت هذه النسبة لتصل العام الماضي إلى 2200 فقط جرّاء تراجع موجة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا عموماً.

ووفق القانون، يقيم القصّر غير المصحوبين بذويهم قبل بتّ طلبات لجوئهم، في مراكز تديرها البلديات وتتكفل بنفقاتها مديرية الهجرة التي تدفع إلى البلدية ما يعادل نحو 130 يورو يومياً عن كل شخص مسجل فيها. ويملك آخرون إمكان العيش في منزل عائلة سويدية تحصل بدورها من مديرية الهجرة على نحو 1500 يورو شهرياً لتغطية مصاريف القاصر الذي يُعطى كذلك بطاقة مصرفية برصيد نحو 75 يورو شهرياً ليتدبّر شراء أي حاجات شخصية إضافية، بعد أن يكون مُنح ملابس صيفية وشتوية ودراجة هوائية وحاسوب محمول وهاتف جوال. ويعيّن لكل قاصر «وصي» يشرف على تسيير أموره، مثل الطبابة والتعليم وملف اللجوء، فضلاً عن وجود موظف في البلدية يتابع شؤونه دورياً. كما يتولّى موظفون إدارة تلك المركز من إعداد الطعام والتنظيف والإبلاغ عن أي مشكلات أو تجاوزات.

ويكشف السوري حسين (45 سنة) الذي يعمل موظفاً في أحد المراكز بمدينة غوتنبورغ، ما يدور فيها. ويقول: «ينجرف عدد كبير من القصّر نحو الأعمال المنافية للقانون مثل تعاطي المخدرات والمسكرات، أو يلجأ إلى الاحتيال مثل بيع الدراجة الهوائية أو الحاسوب أو الهاتف، ومن ثم الادعاء بفقدانها والمطالبة بشراء بديل». ويضيف: «لا يكاد يمر أسبوع من دون وقوع اعتداء على موظف ما أو على الأملاك. فأحدهم غضب لأننا لم نشترِ له حذاء رياضياً، فعمد إلى تحطيم جهاز التلفاز والطاولات في صالة المركز. وآخر ضرب زميلي بإبريق الشاي الساخن وسبّب له جروحاً خطيرة ورفض الذهاب إلى المدرسة مشترطاً إيصاله إليها بالسيارة كل يوم».

ولعلّ مرد تلك التصرّفات الكم الهائل من الضغوط النفسية التي يجد اللاجىء القاصر نفسه مجبراً على مواجهتها بمفرده. فعلى رغم أن القانون أعفى هذه الشريحة من التعديلات المتشددة في شأن لم الشمل التي دخلت حيز التنفيذ صيف العام الماضي، إلا أن الروتين وتأخر البت بالطلبات الذي قد يصل بفترات الإنتظار إلى عامين، يدفع بعضهم حتى إلى الانتحار. وأخيراً، أقدم طالبا لجوء أفغانيان على الانتحار في مدة لا تتجاوز شهراً في غوتبورغ بعد أن أصابهما اليأس من إمكان لم شمل والديهما في وقت قريب. وقبل شهور، انتشرت قصة المراهق الأفغاني عصمت (17 سنة)، الذي شنق نفسه في غرفته بعدما رفضت مديرية الهجرة منحه الإقامة بحجة عدم إثبات عمره الحقيقي، تزامناً مع إقرار السلطات خطة إخضاع القصّر إلى فحصٍ طبي لتحديد أعمارهم بعد حدوث حالات تلاعب بالأعمار من بالغين، إدعوا أن سنهم أقل من 18 سنة لاعتقادهم أن التعامل مع ملف اللجوء سيكون أسهل حينها.

وفي هذا السياق، يوضح السوري محمود (42 سنة) الموظف في مركز إيواء بالعاصمة استوكهولم، أن تقريراً داخلياً تم تداوله أظهر أن 20 إلى 25 في المئة من القصّر اللاجئين يعانون من مشكلات نفسية، ومنهم من يتحول إلى التطرّف أو يبدي استعداداً له. ويقول: «واجهنا قضية مراهقيْن أفغانيين اتهما زميلهما بالكفر كونه ينتمي إلى أقلية دينية ولا يصوم». ويكشف في هذا الصدد أن «خط الهاتف وشبكة الانترنت التي يستخدمها القصّر في المراكز تخضع إلى المراقبة الأمنية»، وفق ما أفاده مسؤول في البلدية.

ولكن الظاهرة المقلقة هي اختفاء اللاجئين القصّر ممن رُفضت طلباتهم واضطروا، خشية ترحيلهم، إلى التخفي في بلد غريب لا أقارب لهم فيه. وتقدّر الإحصاءات عددهم بحوالى 1900 ممن دخلوا السويد وهم اليوم مجهولو المصير، حيث ينتهي الأمر بكثيرين منهم إما أعضاء في عصابات إجرامية بالضواحي التي يقطنها المهاجرون، وتحديداً في مدن استوكهولم وغوتنبورغ ومالمو، أو ضحايا الإتجار بالبشر.

كما تزايد عدد اللاجئين اليافعين غير المصحوبين بذويهم ممن يخضعون للرعاية الإجبارية لدى «مجلس إدارة المؤسسات الحكومية»، حيث وصلت نسبتهم إلى 10 في المئة من إجمالي القصّر في السويد، في حين لم تكن تتعدى 2.5 في المئة عام 2012.

والمجلس هو سلطة حكومية ترعى الأحداث الذين يعاونون من مشكلات نفسية واجتماعية بطلب من «إدارة الخدمات الاجتماعية»، بعد أن تكون تجاوزاتهم القانونية (كالسرقة والاغتصاب والقتل) وصلت إلى المحاكم ولم يعد في الإمكان سوى وضع وصاية إجبارية على القاصر ليصبح نزيل إصلاحيات متخصصة.

وبمعزل عما سبق، يجادل بعضهم بتحميل مسؤولية أي تبعات سلبية إلى الأهالي الذين قبلوا إرسال أبنائهم وبناتهم وحيدين عبر رحلة اللجوء المحفوفة بالأخطار وحمّلوهم واجب لم الشمل، بينما جلسوا هم في انتظار أن تأتيهم الإقامة على طبق من فضة.

عن الحياة

بقلم رؤوف بكر