صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

وسائل الاتّصال الاجتماعيّ والأخلاق بقلم المطران كيرلس سليم بسترس ...

وسائل الاتّصال الاجتماعيّ والأخلاق

من بين وثائق المجمع الفاتيكانيّ الثاني بيان مجمعيّ يتحدّث عن وسائل الاتّصال الاجتماعيّ، فيقول “إنّ الكنيسة تعلم تمام العلم أنّ استخدام هذه الوسائل على الوجه السويّ يساعد الجنس البشريّ مساعدة فعّالة على الترويح عن العقل وتثقيفه، وعلى انتشار ملكوت الله وترسيخه”. ثم يُضيف: “غير أنّها تعرف أيضًا أنّ بوسع الناس أن يستخدموا هذه الوسائل خلافًا لمقاصد الخالق الإلهيّة، ويحوّلوها إلى هلاكهم بالذات. وإنّ قلبها الأموميّ لينقبض أسى عندما تتذكّر الأضرار التي كثيرًا ما يسبّبها للجماعة سوء استخدامها” (رقم 1).

وعن الإعلام يقول البيان: “من الثابت بكلّ جلاء أنّ أمر الإعلام قد أمسى، نظرًا إلى تطوّرات المجتمع العصريّ والترابط الوثيق بين أعضائه، مفيدًا جدًّا، بل هو على الأغلب أمرٌ لا بدّ منه؛ ذلك بأنّ الإعلام العامّ السريع يوقِف الفرد، بوجه أفضل وبصورة متّصلة، على الوقائع والأحداث، فيستطيع الإسهام الفعّال في الخير العامّ، ويتمكّن كلٌّ من العمل، بيُسْر أكثر، على تقدّم المجتمع بأسره. فالحقّ إذن، في المجتمع البشريّ، على الاستعلام عمّا يليق بالإنسان، منفردًا كان أو في جماعة، وبحسب وضع كلّ أحد، حقّ فطريّ. بيد أنّ حسن مزاولة هذا الحقّ يقضي بأن يكون الإعلام الاجتماعيّ في مضمونه صادقًا على الدوام وكاملاً، مع مراعة العدالة والمحبة؛ وأن يكون، إلى ذلك، لائقًا في صيغته، متلائمًا مع موضوعه، أي مراعيًا قدسيّة الشرائع الأدبيّة وحقوق الإنسان الشرعيّة وكرامته، سواء كان بالتحرّي أم في النشر، ‘فنعرف أنّ لجميعنا العلمَ. إنّما العلمُ ينفخ، أمّا المحبّة فتبني‘ (1 كورنثس 1:8)”.

إنّ تطوّر البشريّة مرتبط باتّساع مدى الحريّة. فالحريّة هي أثمن ما يملكه الإنسان، وهي من أهمّ مكتسبات العصور الحديثة، وتشمل مختلف الميادين الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، وتتضمّن حرية ممارسة الدين وحريّة اختياره، وحريّة العمل وحرية الرأي وحريّة الإعلام، ولا يجوز للدولة أن تحدَّ من هذه الحريّات إلاّ بقدر ما تُسيء إلى سلام المجتمع وكرامة كلّ فرد فيه. وبما أنّ الإنسان كائن اجتماعيّ، فكلّ ما يفعله ينعكس على غيره من أعضاء المجتمع الذي يعيش فيه. لذلك لا يجوز له أن يستخدم حريّته لإلحاق أيّ ضرر بالآخرين. فالحريّة يجب أن تترافق مع المسؤوليّة، ومسؤوليّة كلّ إنسان تقضي بأن يعمل ما بوسعه لبناء المجتمع وليس لهدمه.

ما نقرأه وما نسمعه في بعض وسائل الاتّصال الاجتماعيّ من نشر الأخبار غير الدقيقة وتراشق الاتّهامات لا ينجم عنه سوى توسيع الخلافات والنزاعات بين الناس والإسهام في تدمير المجتمع. فينشر أحدٌ من المسؤولين في الدولة بعض الأخبار ويردّ عليه مسؤولٌ آخر بقوله إنّ هذه الأخبار هي أكاذيب وافتراءات. ويسمح آخر لنفسه بأن يشنّ على “الفايسبوك” هجمات على أشخاص يختلف معهم في الرأي ويكيل لهم الشتائم دون أيّ رادع. فهل كُتِب علينا أن نسمع ونقرأ كلّ يوم سخافات وبشاعات من هذا النوع؟ قال يومًا الكاتب الفرنسيّ فولتير بسخريّة: “اكذبوا أيّها الأصدقاء اكذبوا، فلا بدّ أن يبقى من أكاذيبكم شيء يصدّقه الناس”. فنسأل أين هي الأخلاق في استخدام وسائل الاتّصال الاجتماعيّ؟

قال السيّد المسيح “إنّ كلّ كلمة باطلة يقولها الناس سوف يؤدّون عنها حسابًا في يوم الدينونة. لأنك بكلامك تتبرّأ وبكلامك يُحكَم عليك” (متى 36:12-37). وقال بولس الرسول: “لا تخرجنّ من أفواهكم ولا كلمة فاسدة بل ما يصلح منها ويفيد البُنيان – إذا دعت الحاجة – ويؤتي السامعين نعمة” (أفسس 29:4). إنّ هدف وسائل الاتّصال الاجتماعيّ هو السعي وراء الحقيقة ونشرها لتحرير الإنسان من الباطل، عملاً بقول السيّد المسيح: “تعرفون الحقَّ، والحقُّ يحرّركم” (يوحنا 32:8). فينبغي أن يكون شعار مستخدمي وسائل الاتّصال الاجتماعيّ ما يقوله أيضًا بولس الرسول: “وبعد، أيّها الإخوة، فكلّ ما هو حقّ وكرامة، وعدل ونقاوة، ولطفٌ وشرف، وكلّ ما هو فضيلة وما يُمتَدَح، كلّ هذا فليكن محطّ أفكاركم. وما تعلّمتموه وتسلّمتموه منّي ورأيتموه فيّ فليكنْ دأبَكم. وعندئذ إله السلام يكون معكم” (فيليپي 8:4-9).

النهار

 

بقلم المطران كيرلس سليم بسترس