صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

مؤسسة أديان: "من لبنان الكبير الى لبنان الرسالة ...

مؤسسة أديان: "من لبنان الكبير الى لبنان الرسالة"!

     

 

إفتتحت مؤسسة "أديان" مؤتمرا وطنيا بعنوان "من لبنان الكبير 1920، نحو لبنان الرسالة 2020"، في فندق "هيلتون"- بيروت، برعاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ممثلا بوزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية بيار رفول، وبمشاركة القائم بأعمال السفارة البابوية المونسنيور إيفان سانتوس، ممثل الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط السفير عبد الرحمن الصلح، رئيسة "المبادرة الوطنية لمئوية لبنان الكبير" النائبة بهية الحريري، وفي حضور ممثلي الطوائف الروحية والأجهزة الأمنية ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التربوية والإعلامية وحشد من المهتمين.

 

ضو

بعد النشيد الوطني وترحيب من عريفة المؤتمر تانيا غرة، رحب رئيس مؤسسة "أديان" الأب فادي ضو بالحضور، وألقى كلمة قال فيها: "برعاية كريمة من فخامة رئيس الجمهورية، وبمشاركة لافتة من مختلف قطاعات المجتمع اللبناني، لا سيما شبابه الزاخر بالأمل والنشاط رغم كل التحديات، وبحضور دولي يؤكد دور لبنان العالمي ومكانته الفريدة في الأسرتين العربية والعالمية، تطلق مؤسسة أديان، عبر "رشاد"، مركزها الجديد لشؤون الحوكمة الثقافية، ورشة عمل وطنية مفتوحة، للعمل معا ليس للاحتفال بمئوية لبنان الكبير في 2020 وحسب، بل للانتقال بلبنان من واقعه الطائفي المرير، إلى رحاب المواطنة الحاضنة للتنوع، في إطار دولة حديثة وديمقراطية، تليق بطموح أبنائه وتطلعات شبابه".

أضاف: "يفصلنا عن 1 أيلول 2020، تاريخ المئوية الأولى من عمر لبنان الكبير، ألف وسبعة أيام. وها نحن نبدأ العد العكسي للوصول إلى هذه المحطة الرمزية، التي نريدها فرصة لتجديد انتمائنا المشترك لوطن أعطانا وأعطى العالم أكثر بكثير مما أعطيناه وأعطاه العالم، فنجدد محبتنا له والتزامنا به. ونريد المئوية أيضا أن تكون حافزا للتجديد، لكي ينهض لبنان من تحت عبء أثقاله، التي لم يعد يقوى على حملها. كما نريد هذه المئوية الأولى أن تكون استعادة لرسالة لبنان ومكانته، على الصعيدين العربي والعالمي، وهو العضو المؤسس في جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة، والمشارك بفعالية جارت لا بل فاقت مشاركة دول عظمى، في وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لهذا السبب، وفي وقت يكثر الحديث عن "النأي بالنفس"، لا نود أن يفهم ذلك وكأنه انعزالٌ أو عجزٌ للبنان عن أداء دوره على المستوى العالمي، وهو البلد الذي قال فيه البابا القديس يوحنا بولس الثاني: "إن لبنان هو أكثر من وطن: إنه رسالة حرية ونموذج تعددية للشرق كما للغرب." نعم إذا للنأي بلبنان عن الصراعات. ولكن نعم أيضا لانخراط لبنان بفعالية في حوار الحضارات، والتضامن مع المظلومين، بدءا بالقضية الفلسطينية، والسعي نحو الحق والعدل والتنمية والسلام".

وتابع: "إن مئة عام من عمر وطن كلبنان هي أشبه بهنيهات من الزمن. فلا نخطئن التقدير. لبنان ليس وليدة 1920 ولا صنيعة قرار من سلطة الانتداب الفرنسي. في 1 أيلول 1920 اعترف، ولم يعلن، المفوض السامي هنري غورو بحقيقة ضاربة جذورها في التاريخ كجذور الأرزة في جبال لبنان. حين قرر أهل لبنان أن يعطوا لوطنهم هذا التحديد الجغرافي الحديث بحدوده التي تضم كل حبة من ترابوذرة من هواء ال 10452 كلم2، أرادوا أن يعبروا عن أمانة لوطن، تغنت به الكتب المقدسة منذ آلاف السنين، وعبرت على أرضه عشرات الحضارات، وانطلقت منه قبل أكثر من ألفي عام بعثات تجارية وثقافية وعمرانية، ربطت ضفاف البحر المتوسط، بعضها ببعض، وساهمت في تحقيق التلاقح الحضاري والحوار الثقافي بشكل رائد وفريد. لو كان لبنان صنيعة قرار أجنبي، أو نتيجة مطالبة من بعض أعيانه، لما كان قد بذل هذا العدد الكبير من أبنائه هذا الكم من التضحيات وقدموا دماءهم بشجاعة وسخاء للمقاومة في وجه العدو والمحافظة على كل حبة من ترابه، وكل نفس من حرية شعبه".

وقال: "نحن أبناء وطن صغير بمساحته، وهي على صغرها، عرفت كيف تكون بيتا مشتركا ووطنا نهائيا لجميع اللبنانيين، وقاعدة لملايين المغتربين منهم للانطلاق نحو بقاع العالم للإسهام في بنيانه وهم يحققون طموحاتهم وأحلامهم. وهي أيضا مساحة لكثيرين لجؤوا إلى هذا البلد عبر التاريخ طلبا للأمن والحرية، وهي اليوم تعاني من تضخم هذا الحمل ما يستدعي رؤية موحدة وطنيا وتضامنا عالميا لحل أزمة النازحين السوريين إليه.

 نعم، لبنان الكبير صغير بمساحته، لكنه كبير بالعيش المشترك بين أبنائه على اختلاف أديانهم ومذاهبهم. كبير لبنان بتمسك أبنائه بأرضهم وكرامتهم وحريتهم.

كبير بانتشار أبنائه في العالم وتمثيلهم حضارته الرافضة للتمييز والعنصرية والإسلاموفوبيا والملتزمة الأخوة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

كبير بمحبته لأشقائه العرب وانفتاحه على كل أصدقائه في العالم وصموده بوجه أعدائه.

كبير لبنان بخبرته في الحوار ما بين الأديان والثقافات وفي استثمار هذا الحوار لينتج نماذج من الفكر والخبرة والحياة تصلح أن تكون للعالم قدوة، وتجعل منه مهيئا ليلعب دور المركز العالمي لهذا الحوار.

كبير بدينامية مجتمعه المدني الذي لا ييأس أمام هول التحديات المجتمعية منها والسياسية، وهو لا يزال يناضل لا لمنصب في انتخابات مقبلة، بل لخطوة الى الأمام في مسيرة إنقاذ الوطن من التراجع في سياساته العامة وفي إدارة شؤونه.

كبير لبنان بطموحات شبابه وشاباته الذين رغم الذاكرة الأليمة التي نقلناها إليهم بسبب الحروب والنزاعات، لا زالوا يلتقون معا ليتشاركوا مقاعد الدراسة وأحلام المستقبل، وهم متمسكون بالقيم ويصبون نحو خيرهم الذي لا ينفصل عن خير وطنهم".

وأضاف: "ونحن على مشارف المئوية الأولى للبنان الكبير، نجدد تمسكنا بكل ذرة من تراب لبنان ال 10452 كلم2، ونتمسك برسالتنا التي تجعل أن يكون في هذه المساحة الصغيرة وطنا كبيرا بأبنائه وعطاءاتهم".

 سانتوس

بدوره استهل سانتوس كلمته بقول البابا القديس يوحنا بولس الثاني: "إن لبنان هو أكثر من وطن: إنه رسالة حرية ونموذج تعددية للشرق كما للغرب".

وقال: "منذ تفوه البابا بهذه الكلمات، لم يمض أسبوع من دون أن يستشهد بها رجل دين أو سياسي، مسيحي أو مسلم، للإشارة الى ما يجدر بلبنان أن يكون عليه.

وعند احتفاله بالذبيحة الإلهية تحت شمس بيروت اللامعة، دعا يوحنا بولس الثاني لبنان لتأكيد دوره المميز في الشرق الأوسط".

وأضاف: "شدد البابا على أهمية لبنان بالنسبة للعالم، وعلى الرسالة التاريخية التي حملها على مر العصور، كبلد تنوعت فيه الأديان والقناعات وعاشت فيه جنبا الى جنب بسلام وأخوة وتعاون".

وإذ أثنى على أعمال المؤتمر استشهد في الختام بكلمات البابا فرنسيس جاء فيها: "الله يحب التسامح الذي هو أكبر من أي رغبة في الانتقام".

الحريري

وبعد تقديم جوقة ثانوية البرج الدولية للوحة غنائية، قالت النائبة الحريري: "غداة انقضاء العقد الأول من الألفية الجديدة، ورغم كل ما حمله لنا من آلام وجراح، أيام كنا نشيع الرموز الكبار، ونرتدي أثواب الحداد على الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل لبنان، غداة ذلك العقد الشديد الحزن والمرارة، أردنا أن نعزز ونجدد الإيمان بالتجربة الوطنية جاعلين من الدولة المدنية الحديثة هدفا وطنيا جامعا لكل اللبنانيين بدون إستثناء. وأطلقنا المبادرة الوطنية لمئوية لبنان الكبير في الأيام الأولى من العام 2011، ذلك العام الذي شكل منعطفا كبيرا في منطقتنا والعالم، إذ تغيرت الإتجاهات والأولويات والتوازنات وهي لا تزال تتغير حتى هذه الدقائق التي نجتمع فيها الآن".

أضافت: "أود أن أتوجه بالشكر والتقدير لمؤسسة أديان ورئيسها المميز الأب فادي ضو على الدعوة الكريمة لهذا المؤتمر الوطني "من لبنان الكبير 1920... نحو لبنان الرسالة 2020"، هذه الرسالة التي تتكامل مع ما أعلناه في المبادرة الوطنية لمئوية لبنان الكبير، لبنان 2020، وطن للمعرفة لأننا على يقين بأن التجربة الوطنية المؤسسة لقيام دولة لبنان الكبير كانت العلوم والمعرفة والثقافة مكونات أساسية تمحورت حولها التجربة الوطنية اللبنانية وتشكلت من خلالها الوحدة المجتمعية، التي تجسدت في إعلان دولة لبنان الكبير في 1 أيلول 1920".

وتابعت: "الجميع يعلم بأنه خلال النقاش حول إختيار عاصمة لبنان الكبير كان هناك مفاضلة بين أكثر من مدينة لبنانية، إلا أنه تم إختيار بيروت العظيمة عاصمة للبنان الكبير لأنها كانت في الأصل عاصمة لبنان المعرفة، في حين أن المدن الأخرى كانت ذات طبيعة إقتصادية. بيروت التي شهدت إنشاء أول مدرسة للفتيات "مدرسة بيروت للإناث" في العام 1835 وأيضا مدرسة الثلاث أقمار، ثم الجامعة الأميركية في العام 1866، وجامعة القديس يوسف وجامعة الحكمة في العام 1875، والمقاصد في العام 1878، وغيرها من الصروح التعليمية التي إختارت بيروت عاصمة لها، حيث تقاطرت إليها الأجيال من كل المناطق اللبنانية من لبنان الصغير ومن لبنان الكبير ومن دول الجوار من دون أن ننسى منارة المعرفة في الخنشارة، المطبعة العربية الأولى في العام 1734 التي أسسها الشماس عبدالله زاخر، وكانت بيروت وبوابتها ومرفأها للعرب أجمعين".

وأشارت الحريري الى "ان بناء مجتمع المعرفة يبدأ باعتبار الأجيال الصاعدة مصدرا للمعرفة والطاقة تبنى عليها سياسات تربوية وإنمائية تقوم على التعرف على الطاقات المعرفية والإبداعية والعلمية لدى الأجيال القادمة ويصار إلى تعريفها على مزاياها بشكل فردي وجماعي من خلال المدرسة والأسرة معا ليصار إلى رعاية الطاقات الواعدة وتنميتها وتأمين أسباب العلاقة المتدرجة بين الطالب وموهبته وميوله العلمية والثقافية والحيوية".

واكدت "ان النجاح العلمي والمهني والإبداعي لدى سائر المتخصصين والعاملين في كافة المجالات هو نتيجة لحسن التوجيه بما يتلاءم مع الموهبة أو المقدرات أو الميول". وقالت: "إن نجاح هذه العملية سيؤدي إلى قيام مجتمع المعرفة، أي أن كل عامل في المجتمع عارف ومبتكر ومبدع في مجاله. وهذا يستدعي عملية تعرف مبكرة على تلك الطاقات الكامنة لدى الأجيال الصاعدة واستكشافها من خلال خارطة بشرية تبدأ بالمدرسة والأسرة، ويصار إلى اختبارها بالعلاقة المباشرة بالعلوم والإختصاصات بشكل مبكر للتأكد من صوابيتها ووجودها".

اضافت: "ان لبنان يشهد نهضة علمية مستدامة اذ اصبح عدد باحثي الماجستير في الجامعة اللبنانية يتجاوز 11 ألف باحث، وعدد باحثي الدكتوراه في الجامعة اللبنانية حوالي 2500 باحث، وعدد باحثي الماجستير في الجامعات الخاصة يتجاوز 16 ألف باحث وعدد باحثي الدكتوراه يتجاوز 2200 باحث، مما يعني أن مجموع باحثي الدراسات العليا في لبنان يتجاوز 32 ألف باحث"، مشيرة الى "ان فكرة إعلان دولة لبنان الكبير جاءت بعد الحرب العالمية الأولى على اعتبار التربية والتعليم والثقافة كأساس للدولة الوطنية، أي بما يشبه منظمة اليونسكو بعد الحرب العالمية الثانية".

وتابعت: "العالم يشهد للرئيس رفيق الحريري كيف استطاع من خلال إعادة الإعتبار للتربية والتعليم والثقافة أن يقدم العلاج الشافي والنهائي لما شهدناه في سنوات العنف والدمار والضياع، وكيف أننا خلال سنوات قليلة استطعنا أن نعيد لبنان أفضل مما كان، وإننا نجدد ثقتنا بالأساس المعرفي والعلمي للتجربة الوطنية اللبنانية، وإننا ندعو الجميع الى اعادة الإعتبار للعلم والمعرفة والإختصاص لكي ننهض بلبنان المعرفة الذي هو جوهر لبنان الرسالة. وفي هذه المناسبة نوجه تحية للشاب اللبناني فؤاد مقصود، الفائز بالجائزة الأولى لبرنامج نجوم العلوم في العالم العربي في مجال الإبتكار العلمي والذي رفع رأس لبنان المعرفة والرسالة عاليا".

أبو الغيط

وتلاها السفير الصلح متحدثا باسم أبو الغيط: "اسمحوا لي بداية أن أنقل لكم تحيات معالي السيد أحمد ابو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية وتمنياته لهذا المؤتمر بالنجاح والتوفيق في تحقيق مقاصده. كما أتوجه بالشكر والتقدير لكل القائمين على أعمال المؤتمر على حسن التنظيم والاعداد الجيد له".

وقال: "ينعقد هذا المؤتمر بالتزامن مع الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الاستقلال في لبنان، ويأتي تذكيرا بإعلان دولة لبنان الكبير في 1 أيلول 1920 واتصالا بما تشهده الساحة اللبنانية من حراك وطني، وفي توقيت دقيق يمر به هذا البلد العتيد.

لقد أثبت الشعب اللبناني تمسكه بوحدته ورغبته الأكيدة في الحفاظ على نسيجه الخاص، مهما اشتدت الصعوبات أو عظمت التحديات. إن هذا النسيج الفريد هو مصدر قوة لبنان، وهو سبب احتفاء العرب - كل العرب- به، واحتضانهم له وفخرهم به وبتجربته الملهمة. لبنان، إن جاز التعبير، هو فكرة قبل أن يكون وطنا أو دولة. فكرة إنسانية عميقة عن مجتمع حافل بالتنوع الخلاق. اتخذ من التسامح دينا، ومن العيش المشترك سبيلا ومنهجا".

وأضاف: "لقد كان قدر لبنان دوما أن يكون في عين العاصفة. طبيعته الفريدة جعلت منه ساحة للتجاذبات والاستقطابات. ان لبنان لم يكن في أي وقت بعيدا عن الأزمات والصراعات الطاحنة التي اجتاحت المنطقة، غير أن خطاب التسامح وروح الانفتاح يظلان صمام الأمان الذي يحمي هذا البلد من العواصف والنوازل.

لقد أثبت لبنان للعالم أن التعايش بين الأديان والطوائف ليس مستحيلا، بل انه ضرورة حياة، ويشكل مصدر قوة واثراء للمجتمع والدولة، ما دام يرتكز على الاحترام المتبادل والمساواة في المواطنة وإعلاء المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات أخرى.

وسيظل لبنان يقدم نموذجا فريدا لهذا التعايش السلمي، وستظل أرزة لبنان رمزا وطنيا لصمود لبنان وعراقته. لقد عبر الكيان الوطني اللبناني محنا كثيرة، وتجاوز مصاعب شتى وملمات خطيرة، فما زادته الأزمات الا صلابة وتمسكا بالحياة. إن اللبنانيين شعب اختار الحياة دوما، حتى في أحلك اللحظات وأشدها ظلاما".وأشار الى أن "لبنان يقف اليوم على منحنى صعب في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات تهدد كيان الدولة الوطنية وقدرتها على الحفاظ على تماسك مؤسساتها. وما يتحمله لبنان - الصغير في المساحة الكبير بالتاريخ والحضارة - يفوق إمكانات الدول الكبرى. لقد استقبل لبنان، بكرمه ومحبته وعروبته ورحابة مجتمعه، ما يقرب من مليوني لاجئ من سوريا وفلسطين. إننا نقدر للبنان اضطلاعه بهذه المسؤولية الضاغطة، ونرجو أن يعود هؤلاء اللاجئون الى أوطانهم في أقرب الآجال.

وختاما، فإن التحية والتقدير واجبتان للشعب اللبناني، بطل هذه الملحمة الفريدة عبر العقود. الشعب الذي ضرب نموذجا نادرا في ابتداع الوحدة من قلب التنوع، وتحقيق التجانس في ظل الاختلاف، وأتوجه بكل الشكر لمؤسسة أديان، ولأصحاب المبادرة الوطنية لمئوية لبنان على هذه المبادرة الطيبة، متمنيا كل النجاح و التوفيق لأعمال و فعاليات هذا المؤتمر".

رفول

وبعد عرض وثائقي عن "محطات ووجوه من تاريخ لبنان المئة عام" استهله الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير بتوصيته شباب لبنان بالمحافظة على العيش المشترك، ألقى كلمة راعي المؤتمر الرئيس عون، ممثله الوزير رفول، وقال: "نبحث في التاريخ عن معالم المستقبل، وبين الطرفين مسيرة وطن نشأ من رغبة أبنائه في أن يكون لهم كيانهم الخاص، برغم تباين آرائهم في البداية بعد تفكك الامبراطورية العثمانية حول توسيع حدود لبنان واستعادة حدوده التاريخية، أو عدم توسيعها.

لماذا علينا اليوم أن نستعيد هذا الجزء من تاريخنا؟ وماذا يمكن أن نتعلم منه من أجل صياغة رؤية للمستقبل نعيد فيها التركيز على المقومات الأساسية والحقيقية لدولة لبنان الحديثة؟

لا شك أن جلسات الحوار الممتدة على يومين، ستقارب رحلة مئة عام من عمر الوطن، من كل الزوايا والاضاءات، والأسماء اللامعة للمتحدثات والمتحدثين تؤشر إلى عمق ما سيطرح. وسأحاول من جهتي أن اقدم بعض الانطباعات التي تكونت لدي من مقاربة سريعة لعنوان هذا المؤتمر المحوري.

حين تأسس لبنان الكبير عام 1920، حدث شيء مهم للغاية، يجب أن يظل الخلاصة الأولى لكل نقاش حول الموضوع وللأجيال اللبنانية المتعاقبة. شيء اسمه ولادة الهوية اللبنانية. نعم، في تلك المرحلة، وبرغم أن القرار بتوسيع حدود لبنان كان بحاجة إلى موافقة دولية، إلا أن الخطوط اللبنانية المتجاذبة التي كان يشد بعضها صوب المتصرفية وبعضها الآخر صوب الذوبان في المحيط، تقاطعت في النهاية حول الرغبة بانشاء دولة محددة المعالم والهوية اسمها لبنان، تبلورت معالمها الدستورية والقانونية سريعا على يد ابنائها. يومها ولد ما يمكن أن نسميه اليوم "الاجماع الوطني" الذي انتقل من مرحلة التذبذب إلى مرحلة الرسوخ، ثم الفخر والاعتزاز، ومن بعدها التمسك بنهائية الوطن اللبناني".

وأضاف: "الأمر المهم للغاية أيضا الذي يمكن استخلاصه، هو ما يمكن أن نسميه "الاجماع الطائفي"، الذي شكل وقتها رافعة لفكرة دولة لبنان المستقلة، والجامعة لتوجهات فكرية، ودينية، وسياسية، وحضارية مختلفة. والوجه البارز لهذا الاجماع كان تركيبة الوفد اللبناني الى مؤتمر فرساي، الذي كان برئاسة البطريرك الحويك، وعضوية ممثلين عن مختلف الطوائف اللبنانية. ومن هذا الاجماع الذي تشكل وقتها، ولد فيما بعد الميثاق الوطني، ليقول بعائلة لبنانية واحدة، تحمي التعدد والتنوع لا بل تتخذ منهما رسالة عيش مشترك تصلح نموذجا لإنسانية ممزقة بالصراعات، والعنف، والنزعات الانفصالية، والتقوقع، برغم الإحساس الزائف بأن العولمة محت الحدود والفروقات بين الشعوب والدول وجعلت من الأرض قرية كونية واحدة".

واعتبر أن "لبنان الرسالة الذي ترعرع وتقوى ورسخ جذوره على امتداد القرن الأخير، برغم مخاض الولادة، والنكسات التي رافقت نموه، والشكوك العميقة التي انتابت البعض في خلال دورات العنف والتجاذبات الحادة التي فرقت أبناءه وطوائفه، هو لبنان الذي ينهض كل مرة أقوى من الكبوات، لأن الدروس صنعت لنتعلم منها، لا لنطمر رؤوسنا في رمال الأوهام والمصالح الشخصية والأنانيات. وأقولها بكل صراحة وواقعية، إن الأخطار التي هددت وتهدد في كل حين هذه الرسالة، ناتجة من طغيان المصالح الشخصية، وغياب المحاسبة، وحدة الفساد الذي نخر مفاصل الدولة وأضعف مؤسساتها".

وأكد "أننا في حاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الدولة القوية التي تحمي رسالة الوطن عبر ترسيخ القانون والدستور مرجعية وحيدة، وتعزيز المؤسسات الضامنة لحقوق المواطنين وواجباتهم، وتنقية المسار الديموقراطي من الشوائب، ولجم الفساد والفاسدين، وترسيخ روح الشراكة الوطنية بالفعل لا بالقول، وصولا إلى الطموح الأكبر للكثير من اللبنانيين وهو العبور من دولة الطوائف الى دولة المواطنة حيث يتساوى جميع اللبنانيين أمام القوانين، ولا تتلطى المصالح الفردية بعباءة الأديان، محولة رسالة العيش المشترك الى ساحة لتقاسم المغانم، والاستقواء بالخارج على شريك الوطن، وحرف لبنان عن سكة السلام والاستقرار".

وقال: "باسم راعي هذا المؤتمر فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي كلفني فشرفني أن أمثله في حضور جلسته الافتتاحية، أتوجه بالشكر إلى مؤسسة أديان التي شاءت استقراء العبر والدروس من مسيرة وطننا منذ نشوئه، وخصوصا في هذه المرحلة الدقيقة التي يتعرض فيها لبنان لارتدادات الصراعات الاقليمية والدولية التي تهز منطقة الشرق الأوسط بأسرها، للوصول الى رؤية يستعان بها لإعادة انتاج دولة لبنان الحديثة.

الدولة التي يتوق اليها اللبنانيون الذين كفروا بالتجاذبات المعيقة لأحلامهم وحياتهم الكريمة. الدولة التي تشكل مركزا لحوار الثقافات والأديان، فيعود لبنان كبيرا على قياس حضارته، وانفتاحه، وريادته العلمية والثقافية والديموقراطية في المنطقة، وطنا يستحق حاضرا أكثر أملا واشراقا، ومستقبلا يرفعه إلى صفوف أرقى دول العالم".

يشار الى أن المؤتمر الذي يستمر يومين يهدف الى الإسهام في تطوير الحوار العلمي والسياسي الجامع حول التجربة اللبنانية، منذ إعلان دولة لبنان الكبير حتى يومنا، للاستفادة من دروس الماضي، وبلورة النجاحات المحققة، والاستعداد للعمل على التغيير المنشود، وفق رؤية مشتركة للمستقبل، ووضع معالم رؤية مشتركة تقدم أسس السياسات العامة للانتقال من الوضعية الطائفية إلى رسالة لبنان الحقيقية في العيش معا في ظل المواطنة الحاضنة للتنوع، بناء على قراءة التجربة الميثاقية اللبنانية وتحديد سبل تصويب مساراتها، وتوضيح دور لبنان الراهن والمستقبلي إقليميا ودوليا، وأدواته كمحور ومركز لحوار الثقافات والأديان.

ويختتم أعماله بعد ظهر غد بمؤتمر صحافي لإعلان البيان الختامي.

 

عن جريدة اللواء 

 

بقلم جريدة اللواء