صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

مسيحيو الشرق .. الشهادة مستمرة بقلم نجم الهاشم ...

مسيحيو الشرق.. الشهادة مستمرة

 أقل؟ نعم... أقلية؟ لا

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1642

لم تطرح قضية مسيحيي الشرق ومصيرهم مع التحديات التي أوجدتها مرحلة صعود تنظيم “داعش” في الأعوام الأربعة الأخيرة ولم تنتهِ بانتهائه. إنها قضية مطروحة قبل “داعش” بمئات الأعوام وستبقى مطروحة بعده بمئات الأعوام. قدر هؤلاء الذين عاشوا إيمانهم على رغم كل المخاطر والظروف الصعبة أن يبقوا ويستمروا في الشهادة للمسيح ولإيمانهم لأنهم في النتيجة يعتبرون أنهم بناة حضارة وتراث وحاملو رسالة في هذا الشرق. هي عملية تحدٍّ ومقاومة مستمرة ولا تنتهي طالما هم أبناء هذه الأرض التي عاشوا عليها منذ ولادة السيد المسيح.

إنها مسألة حضارية لا تتعلق بالمسيحيين وحدهم بل بالمسلمين في الدرجة الأولى وقد جاءت مرحلة “داعش” لتطرحها بكل تجلياتها وأبعادها، ذلك أن هذا التنظيم لم يخلق التحديات على مستوى الوجود المسيحي في الشرق وحده بل في العالم كله وعلى مستوى المسلمين والطوائف الأخرى لأنه انطلق من عملية تكفير شاملة في دعوته إلى تطبيق الدين الإسلامي كما يفهمه ويؤمن به ويريده.

قد تكون عمليات القتل التي تعرض لها المسيحيون في العراق أولا ثم في مصر وسوريا هي التي دفعت بهذه القضية إلى الأولوية وهي أولوية لا تتعلق بتنظيم “داعش” وحده بل بالأنظمة التي تعاقبت على حكم دول الشرق ولم تعط المسيحيين كجماعة حقوقهم.

لم يكن من قبيل الصدف ألا يكون هناك في مؤتمر الصلح في باريس بعد الحرب العالمية الأولى إلا الحضور اللافت لبطريرك الموارنة الياس الحويك عندما كان يتم رسم خارطة المنطقة على أنقاض خارطة إمبراطورية الخلافة العثمانية. ولم يكن من قبيل الصدف التاريخية أيضًا أن يكون الكيان اللبناني أول الكيانات العربية التي ولدت بعد الحرب وأعطت للمسيحيين حق الوجود السياسي الطبيعي بينما لم يتم لحظ هذا الأمر في كل الدول الأخرى التي استحدثت.

ليس صحيحا أن “داعش” شكل الخطر الحقيقي على المسيحيين في الشرق وأن قبله لم يكن المسيحيون يعيشون هذا الخطر. فتاريخ الشرق زاخر بالمجازر التي تعرض لها المسيحيون الموارنة والأرمن والأشوريون والسريان وغيرهم على أيام الإمبراطورية العثمانية وبعدها، ولكنه زاخر أيضًا بالعطاءات والإنجازات التي لم تحل دونها المراحل الصعبة.

في كل الدول التي خرجت إلى العلن بعد العام 1918 لم ينل المسيحيون حقوقهم السياسية باستثناء لبنان. لا في العراق ولا في سوريا ولا في مصر ولا في إيران. حتى أن حقوقهم في لبنان سُمِّيت امتيازات. على أيام الأنظمة الملكية لم يكن لهم أي تمثيل كجماعات مكوّنة للدول التي هم من أبنائها ومواطنيها، وإن كانت أسماء بعض الأفراد كأفراد حظيت بوظائف مهمة في الدولة. وهذه الصورة لم تتبدل في الأنظمة الإنقلابية الديكتاتورية التي قامت على أنقاض الملكيات مثلاً. ففي مصر أيام جمال عبد الناصر بقي الحضور المسيحي مهمّشًا. وبقي دين رئيس الدولة الإسلام وإن لم يكن هناك نص على أن دين الدولة الإسلام. كان بإمكان شخص كبطرس غالي مثلاً أن يكون أميناً عاماً للأمم المتحدة من دون أن يتمكن من أن يكون نائبًا منتخبًا في البرلمان المصري. وفي سوريا كان الأمر نفسه يحصل طيلة أيام حكم البعث قبل حافظ الأسد ومعه وبعده. وكذلك في العراق مع صدام حسين. في ليبيا ليست مخفية أرهاصات معمر القذافي ضد المسيحيين في العالم العربي وفي لبنان، خصوصًا خلال أعوام الحرب. ولعل تجربة ميشال عفلق مؤسس حزب “البعث” خير دليل إلى ذلك على أساس أنه كما قيل عاش مسيحيًا ومات مسلمًا.

أكثر من عشرة ملايين قبطي في مصر لا يمكن التعامل معهم كأقلية. وأكثر من مليون مسيحي في كل من سوريا والعراق لا يمكن التعامل معهم كأقلية، وأكثر من ذلك لا يمكن النظر إلى مسيحيي لبنان وكأنهم أقلية. هم أقل من غيرهم صحيح ولكن أن يعاملوا كأقلية فهذا غير مقبول. وما ينطبق على المسيحيين في كل هذه الدول ينطبق على غيرهم. لذلك إن مسألة الحقوق والمواطنية هي مسألة حضارية وثقافية أولاً وأخيرًا، ولذلك لا بد من أن تكون الأنظمة القديمة والجديدة في هذا الشرق إلا حافظة لحقوق الجماعات المكوّنة للدول لأن المواطنين الذين يعيشون فيها ليسوا مجرد جاليات وافدة إليها حديثا بل هي كانت ولا تزال من الأسس المكوّنة لها. ومن هنا يجب أن يكون الإهتمام العالمي بحقوق هذه الجماعات المسيحية وغير المسيحية، لأنه لا يمكن الإستمرار بتجاهل حقوق الإنسان التي يجب أن يتمتع بها هؤلاء وذلك من أجل أن يبقى مسيحيون في هذا الشرق ومن أجل أن تبقى صورته مزهرة ومشرقة لا أن يعود إلى عصور الظلامية والإضطهاد. فتجربة مرحلة تنظيم “داعش” يجب أن تكون عبرة للمسلمين قبل المسيحيين، ولذلك لا يجوز التغاضي عن الهجرات المسيحية من المنطقة، بل على العكس يجب العمل على أن يعطى المسيحيون وغيرهم حقوقهم بالمساواة في المواطنية وفي الدور السياسي من أجل أن يعودوا إلى بلدانهم. فالمسألة لا تتعلق بالأرقام وبالتعداد. إنها مسألة حضارة وحضور وتراث. إنها مسألة تتعلق بالخروج من عتمة التاريخ والعقائد التي تحاول إلغاء غيرها إلى شرق جديد وإلى تاريخ جديد وإلى القبول بالآخر كما هو.

لقد شكل لبنان باستمرار حالة خاصة في هذا الشرق ولذلك تعرّض لمحاولات تغيير هويته. لقد مثّل طيلة عشرات السنين أملاً لمسيحيي الشرق بأن يكون ملجأ لهم ولكن ليس على أساس أن يكون الوطن البديل. في لبنان تجمّعت كنائس الشرق كلها ومقرات بطريركياتها. الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك. الأرمن الأرثوذكس والأرمن الكاثوليك. السريان. الكلدان. الأشوريون. الموارنة. الأقباط. الإنجيليون. اللاتين. وكأنه منذ أكثر من مئة عام بات بمثابة فاتيكان الشرق على رغم أن قضية مسيحيي الشرق لم تغب عن بال الكرسي الرسولي.

من هذه الخلفية الرسولية للرسالة المسيحية في الشرق كان السينودس من أجل لبنان وزيارة البابا القديس يوحنا بولس الثاني. ومن هذه الخلفية كان سينودس الشرق وزيارات البابوات المتتالية إلى الأراضي المقدسة وإلى سوريا ومصر والعراق سيرًا على خطى بولس الرسول ومن أجل طمأنة أبناء هذه الأرض التي عاش فيها يسوع المسيح وشهدت ولادته وصلبه ورسالته. ومن هذه الخلفية لا بد من أن تبدأ مرحلة انتهاء درب الجلجلة فيكفي ما تحمّله المسيحيون في الشرق من عذابات. ويكفي أن يكون إيمانهم سببًا للحياة لا طريقاً إلى الموت كأفراد وكجماعات. صحيح أنهم عاشوا وكانوا شهودًا للمسيح ونورًا لهذا الشرق، ولكن لا يجوز أن يظلّوا يعيشون هذه الشهادة كقدر لا خروج منه ولا خيار آخر لهم غيره إلا المقاومة والإستشهاد أو الرحيل.

 

بقلم نجم الهاشم