صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

لاهوت ما بعد الحداثة ... الإيمان حالة وجودية ......

لاهوت ما بعد الحداثة ... الإيمان حالة وجودية  بقلم صلاح سالم

 

 

على عكس اللاهوت الذي غالباً ما يمانع التطورات الكبرى في العلوم الطبيعية وهو أمر قد لا يحتاج إلى تدليل تاريخي، إذ تكفي الإشارة هنا إلى الصراع حول نظريتي مركزية الأرض، والتطور، وإلى رجال من قبيل برونو وكبلر وغاليلي، فإن الفلسفة غالباً ما استجابت لعلوم العصر المواكب إياها، تكيفت معها وتأثرت بها في سلاسة واضحة، يمكن تبريرها بحقيقة أنها، على رغم كونها تقدم أنساقاً كلية للحقيقة، فإنها في النهاية أنساق عقلية/ إنسانية، تتمتع بالكلية والشمول ولكنها تفتقد إلى القداسة، وهو ما يسهل من انفتاحها على كل دوائر الفعل الإنساني والإبداع العقلي، كالعلم الحديث وتحولاته.

في هذا السياق، طاوعت الفلسفة الحديثة فيزياء نيوتن الإستاتيكية، فالأخيرة قدمت للكون أو عنه صورة تتسم بالوثوقية، حيث الكون ثابت الأبعاد تقريباً، يتحرك بانتظام ورتابة دائماً، وهو في سكونه وحركته قابل للفهم غالباً، أو مطلقاً. أما الأولى فقدمت للعقل أنساقاً كلية لها طابع الشمول، وأشبعت في الإنسان نزوعه الخفي إلى اليقين. ولعل هاتين الصفتين الأساسيتين، الكلية والشمول- وتلك الغاية- اليقين، كانت من الشيوع في فلسفات الحداثة إلى درجة لا تحتاج إلى تدليل، على رغم التناقضات العديدة بينها، ما بين إيمانية وإلحادية، مادية ومثالية، تحررية واستبدادية، ليبرالية ويسارية، وهكذا.

في مطلع القرن العشرين، أخذ نموذج قياسي جديد في العلم يفرض هيمنته، في القلب منه كانت فيزياء أينشتين النسبية، التي سبقتها وتلتها مباشرة نظريات جرت مجراها، ساهمت في تقديم صورة جديدة للكون تتميز بالديناميكية واللايقين، فالقدرة على القياس الدقيق لحركة الأجرام في الفضاء صارت غير ممكنة، وبالدقة نفسها. وقد دعم الألماني فيرنر هيزنبرغ ذلك المسار الذي خطه آينشتين في قلب العالم الكبير «الكون»، ومبدأه الأثير عن اللايقين أو اللاتحدد في العالم الصغير «الذرة»، بتأكيده أن سرعة الإلكترون الفائقة تحول دون القياس الدقيق لمكانه في الآن نفسه. وذلك بعد أن كان ماكس بلانك قد نقل المعركة إلى الضوء، مؤكداً أن طبيعته ليست جسمية كما كان يُعتقد، ولا موجية كما صار يُعتقد بعد ذلك بل هي طبيعة مزدوجة، جسمية وموجية، تتحكم في تحولاتها ملابسات خارجة عنها، تأتي على رأسها السرعة. وفي مقابل هذا التحول في قلب الفيزياء، أي الفهم الإنساني للكون، أخذت الفلسفة المعاصرة، بانتصاف القرن العشرين، تقدم صورة أقل وثوقية وأكثر نسبية لـمفهوم «الحقيقة». ففي مقابل مفهوم الاحتمال العلمي، ساد مفهوم اللايقين الفلسفي، اللهم إلا إزاء الموت. بل أن هذا اليقين نفسه يظل قاصراً على تلك الحادثة البيولوجية التي يراها الناس ويرقبونها، من دون أن يمتد إلى المفهوم الأنطولوجي للموت، والذي قد ينطوي على إمكان الانتقال إلى وجود جديد، سواء في عالم أخروي كما يبشر الدين التوحيدي، أو عبر تناسخ الروح في كائن آخر، عبر دورة حياة جديدة، كما يتصور الدين الطبيعي الآسيوي، وهكذا وفق أنماط الاعتقاد.

في هذا السياق، تندرج فلسفة ما بعد الحداثة كنقطة ذروة، أخذت تشكك في وجود حقائق صلبة منفصلة عن الذات العارفة، وتبدي حذراً شديداً إزاء الأنساق الفكرية الشاملة‏،‏ وليس فقط المغلقة‏، باعتبارها سرديات للهيمنة.‏ كما تسعى إلى التقليل من دور التاريخ باعتباره السردية الكبرى عن مفهوم الحقيقة، ولكونه دليلاً على فكرة التقدم، التي تكاد تمثل دين الحداثة. وأخيراً لا آخراً نزوعها إلى التقليل من مركزية الثقافة العالمة/ السائدة/ الكونية، لمصلحة الثقافات الفرعية/ الإقليمية وما تجسده من هويات خاصة. وعلى هذا تتبدى ما بعد الحداثة كردة موضوعية وتاريخية عن المنطق العقلاني الصارم، والثقافة الكونية للحداثة، حيث باتت الذاتية محورية في إدراك (الحقيقة)، باعتبارها محض تأويلات ذهنية لواقع محيط بالإنسان، فلم تعد هناك نظرية معرفية شاملة أو فكرة كلية عن الحقيقة بل ثمة حقائق متعددة تصدر عن الميول الشخصية والاستعدادات الذاتية. وإذا كانت روح الحداثة قد تأسست على أن صورة العالم الخارجية/ الحقيقة هي التي تنعكس في الإنسان لتشكل مذاهبه الفكرية وميوله الفلسفية، ولو من خلال العقل الذي يترجم العالم الواقعي إلى سلسلة من الحدوث التجريبية يمكن تأملها عبر العقل النظري بمبادئه الكلية وقواعده النظرية، كما تصور كانط في مفهومه عن المثالية التجريبية/ النزعة النقدية، فقد ذهبت ما بعد الحداثة إلى أن صورة العالم ليست إلا انعكاساً لهذه المذاهب والميول، فالمتاح إذاً حقائق متعددة، وليس صوراً مختلفة لحقيقة واحدة. ومن ثم لا مفر من تفكيك الأنساق الفكرية الكبرى المتعارف عليها باعتبارها وليدة محيط ثقافي وتاريخي معين وليس العقل البشري أو العالم الطبيعي في كليته. بل إن هذا التفكيك نفسه يجب ألا يستند إلى مبدأ مطلق، وإلا كان ثمة تناقض بين غياب المبدأ المطلق في عملية التركيب، وحضوره في عملية التفكيك.

وهكذا بات جوهر ما بعد الحداثة، كما وصفها جان فرانسوا ليوتار، هو إنكار المعتقدات الموروثة والتشكيك في القصص العظيمة، والثورة على السرديات الكبرى، التي طالما ملأت العقل، وشغلت الوعي الإنساني حتى اعتُبرت وكأنها من مسلماته التي لا يمكن التفكير سوى انطلاقاً منها. وهنا يعطينا ليوتار مثلين متناقضين في الاتجاه ولكنهما متفقان في الدلالة. المثال الأول عن الدين/ الإيمان، الذي تمحور حول القصة الأعظم في تاريخ الفكر البشري، أي قصة «الإله»، الخالق الكون، العليم بأحوال البشر، القادر على رعايتهم من ناحية، والتحكم بأقدارهم من ناحية أخرى. ومن هذه الزاوية تبدو ما بعد الحداثة قريناً لكل النزعات الشكية واللاأدرية إزاء الإله، إن لم تكن قرينة الدعوة إلى موت الإله، والتي كانت الحداثة نفسها قد ادعته، خصوصاً على لسان نيتشة وفرويد ودوركهايم، في ظل الحداثة الفائقة/ المتطرفة، التي كانت تنبأت بنهاية الدين في الثلث الأخير للقرن التاسع عشر. وأما المثال الثاني، فعن الإلحاد نفسه، والذي يعتبره ليوتار سردية كبيرة معارضة للأولى، احتلت مساحات متزايدة في الزمن الحديث، وأطلقت آراء عامة كلية مناقضة لقصة الألوهية بنوع من التعميم يحتاج هو الآخر إلى التفكيك، بالقدر الذي تحتاجه قصة الإله. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى ما بعد الحداثة وكأنها ردة عن النزعة المادية في الحداثة، أو الميول الإلحادية في التنوير.

لم تصرح ما بعد الحداثة برفض الألوهية أو الإلحاد، بل سعت فقط إلى التشكيك في الأسس الجوهرية التي تجعل من كليهما، الإلحاد والإيمان، سردية كبرى وإطار ناظم يحتشد داخلة الجميع، أو يُقهرون على النظر إلى العالم من خلاله، على نحو ينزع عنهما المبالغة والتعميم والإطلاق. وهنا يكشف جاك دريدا، الذي أكمل عمل ليوتار من منظور تفكيكي، عن شكوكه العميقة إزاء الاستقطاب الحاد بين الثنائيات الجامدة في فكر الحداثة، والتي يرى فيها تبسيطاً مخلاً. فالملحدون، مثلاً، اختزلوا الدين في صيغ وعبارات تبسيطية تناسب أيديولوجيتهم الرافضة إياه، كما فعل ماركس عندما وصف الدين بأنه أفيون الشعوب المقهورة، الذي يكرس استغلالهم ويؤدي إلى اغترابهم. أو فرويد الذي رآه مصدراً للرعب النابع من عقدة أوديب، أو إميل دوركهايم الذي رآه انعكاساً لعقدة قتل الأب البدائية، وهكذا. أما المؤمنون، خصوصاً الأصوليين المتزمتين، فانغلقوا هم أيضاً على رؤية تبسيطية تنفي غير المؤمن، وتجعل منه كائناً شريراً بالضرورة، يقف من المتدينين الموقف نفسه الذي وقفه الشيطان من الإنسان في قصة الخلق التي يؤمنون بها حرفياً.

في سياق مثل هذه الرؤية التبسيطية، يغيب عن كل من الطرفين ما يمكن أن يكون ذا معنى لدى الطرف الآخر. فمثلاً، يرى الطرف الملحد، أن المؤمنين لم يُقدِّروا أبداً نزوعه إلى توكيد الحضور الإنساني ككائن حر على الأرض، يملك حق السيطرة على مصيره، وإمكان التصرف حيال الطبيعة والعالم. وظني أن ذلك التوكيد يظل عملاً مجيداً، ولكنه يظل أحادياً يقصر نفسه على الأسطورة البروميثية، القارة في الخيال الميثولوجي اليوناني، كجذر للإلحاد الغربي ومصدر لإلهامه، غير مدرك وجود طرائق مختلفة لتمجيد الإنسان وتأكيد فاعليته لا تمر بطريق الإلحاد، ولا تستدعي تغييب الحضور الإلهي في العالم، بل تستند إلى ذلك الحضور، ولكن لا يعرفها الملحد، كونه لم يخبر التجربة الروحية أو يعايشها من داخلها، الأمر الذي قد يفتح الباب على بناء نزعة إنسانية إيمانية، ليس هذا سياق التفصيل فيها. وفي المقابل، يبقى لدى الطرف المؤمن نزوع إيجابي عجز الملحدون عن تقديره حق قدره، وهو الإصرار على ربط عالمنا الدنيوي/ العادي/ المدنس، بالحضور الإلهي، القادر على أن يهبنا قبساً من الشعور بالرعاية والعناية في مواجهة الضغوط التي نعانيها وما يبثه ذلك الشعور من طمأنينة نفسية، ورغبة في التسامي على نوازع الشر الظلم، وإن كان هذا العجز لدى الملحد هو ما ساهم فيه عموم المتدينين بنصيب كبير، على مر التاريخ، لسوء تمثلهم هذا الحضور، عندما حاولوا امتلاكه، والحديث باسمه، فجعلوه مدخلاً للاستبداد والقهر، بديلاً عن كونه رعاية للعالم وتحريراً للإنسان.

تجاوزاً لهذا الاستقطاب، يتحدث الفيلسوف الأميركي جون دو كابوتو، ونظيره الإيطالي جياني دي فاتيمو، عن ضرورة ما يسميانه بـ «الفكر الخافت» كطريق إلى التعايش بين المختلفين. والفكر الخافت، كما يفهمانه، هو طريقة في التفكير تقوم على سلب ونفي المفاهيم، أكثر مما تقوم على التحديد الإيجابي لها. إنه الفكر نفسه الذي دشنه فلاسفة التفكيك الفرنسيون، ووفقه أو باسمه يُجرى حصار الادعاءات الكبرى للتنوير حول العقل والإنسان والتاريخ والحق والواجب... الخ. كما يتحول العالم إلى فسيفساء من المعاني لا مركز لها، فيكاد ينتفي مفهوم الحقيقة من الأساس. فعلى صعيد نظرية المعرفة يصبح من الصعب بناء منظور واضح أو نموذج إرشادي مستقر نسبياً، أو مجتمع علمي متماسك يُتصور له قدر من الدوام والتجانس. وعلى صعيد نظرية الأخلاق، تنتفي مطلقية القيم الكبرى كالحق والخير والجمال، ولا تبقى الفضيلة ذات معنى إنساني عام، ولا القيم ذات مغزى كوني شامل، بل تصير وليدة سياقات محلية وخبرات جزئية، ويصبح المعيار الأساسي لها ما تتواضع عليه أي جماعة بشرية ولو قل عددها. وهنا يكاد يصبح كل إنسان مشرعاً أخلاقياً لنفسه، فالفضيلة هي ما يراها كذلك، والرذيلة أيضاً. وعلى هذا تفضي ما بعد الحداثة، جوهرياً، إلى تعميق التوجهات النسبية للحداثة إلى حد النسبوية، حيث تتشظى الحقيقة وتتناثر، كما أسلفنا القول، وتلك وصفة لا تحل المشكلات بقدر ما تُعمى عليها، وتفضي إلى اغتراب الروح الإنساني، فيما المطلوب وصفة أخرى تصوغ وعياً جديداً يحفظ للحقيقة ممكنات حضورها كاملة، ويتجاوز في الوقت نفسه وثوقيتها الساذجة التي تعوق تعددية الطرائق التي يُنظر إليها من خلالها. فعلى سبيل المثل، يستحق التدين الدوغماطيقي المتطرف، والإلحاد الصلب العدواني، الإدانة بكل تأكيد، وبدرجة الحدة نفسها، ولكن تلك الإدانة لن تكون ممكنة عملياً إلا على قاعدة الاعتراف بالإيمان كحقيقة والإلحاد كظاهرة، فهذا الاعتراف المتبادل هو النافذة التي يمكن من خلالها أن ينساب الفكر الخافت، الذي يتسامح مع وجود إيمان روحاني معتدل، سواء تجاوز الأشكال التاريخية للأديان، أو جسد أعمق تجلياتها. كما يتسامح مع الإلحاد شرط أن يكون إلحاداً إنسانياً يشع بمحبة البشرية، ويتسم بالحدب الشديد على مصيرها. غير إننا نطلب تعديلاً بسيطاً، وإن كان مهماً، في مصطلح الفكر الخافت ليصبح (التفكير الخافت) الذي يحقق الهدف نفسه، أي مد الجذور بين الحقائق المتناقضة، ولكن ليس على طريق دريدا ثم فاتيمي وكوبوتو في تمييع تلك الحقائق وتفريغها من جواهرها المؤسسة لها، لتصبح محض نزعات نفسية تتسم بالذاتية الفائقة، بل عبر توكيدها والتعاطف معها، فيبقى الأبيض ممكن الوجود وكذلك الأسود، ولكن مع تخلي كليهما عن أحاديته، والإصغاء جيداً للطرف الآخر، بهدف الفهم وليس مجرد السمع، حيث يمكن العقل التواصلي، كما هو لدى هابرماس، القبول الكامل للاختلاف من دون تفكيك أو تمييع الحقيقة.

عن الحياة

بقلم صلاح سالم