صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

"الكوشان" الصهيوني بقلم أنطوان شلحت ...

 

"الكوشان" الصهيوني بقلم أنطوان شلحت

 

كاتب وباحث فلسطيني

أحد أكثر ردود الفعل إثارة على الخطاب الذي ألقاه نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، في الكنيست الإسرائيليّ أخيرًا، هو الذي رأى أن الخطاب أعاد التذكير بـ"الكوشان" الذي في حيازة "الشعب اليهودي" بشأن فلسطين منذ فجر التاريخ، من طريق اقتباس آياتٍ من كتاب التناخ (كتاب يهودي مقدس). 
ولوحظ أن التيّار اليمينيّ المسياني، الذي يمسك حاليًا بزمام المفاصل الرئيسية لسياسة الحكومة الإسرائيلية، ويسعى إلى تثبيت أركان إسرائيل دولة دينيّة خلاصيّة، سارع إلى الاستقواء بهذا الأمر، فاعتبر أن الزيارة تتجاوز الانعكاسات العادية لأي زيارةٍ يقوم بها زعيم أميركي، كون بنس لم يأت في سبيل جولة سياسية، بل من أجل الحجّ إلى القدس باعتباره "مسيحيا مؤمنا". وتقف وراءه جماعة كبيرة من المسيحيين الإنجيليين الذين يطلق عليهم المسيحيون الصهاينة، يؤمنون بتحقق النبوءات التوراتية بشأن عودة الشعب اليهودي إلى صهيون. وتعتقد هذه الجماعة أن من يدعم الشعب اليهودي ودولته سوف يباركه الرب، ومن يحارب اليهود ويعارض العودة إلى صهيون سوف يعاقبه، كما حدث لأمم عبر التاريخ تنفيذًا لوعد الرب لإبراهيم في سفر التكوين "وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ"؛ فضلًا عن أن سبب مكانة الولايات المتحدة "قوة دولية مباركة"، يعود إلى دعمها الشعب اليهودي ودولته. ويتبنى أعضاؤها قسم إشعياء قبل 2500 عام: "مِنْ أَجْلِ صِهْيَوْنَ لاَ أَسْكُتُ، وَمِنْ أَجْلِ أُورُشَلِيمَ لاَ أَهْدَأُ، حَتَّى يَخْرُجَ بِرُّهَا كَضِيَاءٍ وَخَلاَصُهَا كَمِصْبَاحٍ يَتَّقِدُ"! 
وامتد الاستقواء ليشمل سياق المواجهة مع خصوم داخليين لهذا التيّار اليمينيّ، على نحوٍ يوحي بأن هؤلاء الخصوم ما عادوا متمسكين، كما ينبغي، بذلك "الكوشان" حيال مستقبل الصراع الصهيوني مع الفلسطينيين، وانساقوا زيادة عن اللزوم وراء مُسوّغاتٍ أمنيّةٍ فقط لتبرير الحاجة إلى التنائي عن ضم أراضي 1967 إلى دولة الاحتلال، والذي تتعاظم المطالبة به، هذه الأيام، في البرلمان والحلبة السياسية عمومًا. 
بيد أن هذا الادعاء بخصوص الخصوم مجرّد مناكفة، وتنقضه قرائن كثيرة من ميراثهم، في مقدمها الشهادة التي أدلى بها ديفيد بن غوريون، بوصفه رئيسًا للوكالة اليهودية، أمام لجنة التحقيق الملكية البريطانية، برئاسة اللورد بيل، والتي زارت فلسطين لتقصّي وقائع ثورة 1936. 
ووفقًا لما تناقلته المحاضر المتعلقة بتلك الشهادة، سأل رئيس اللجنة بن غوريون، عن المكان الذي قدم منه إلى فلسطين، فأجابه إنه جاء من مدينة بلونسك في بولندا. وطرح رئيس اللجنة سؤالًا آخر: باعتبارك مهاجرًا من بلد بعيد، هل لديك وثيقة أو صك ملكية يمنحك الحقّ في أن تحلّ محلّ أبناء البلد العرب الذين يقيمون في أراضيه منذ أجيال؟ هنا تناول بن غوريون كتاب التناخ، الذي كان موضوعًا على منصة الشهود إلى جانب كتاب القرآن الكريم، من أجل أن يؤدوا القسم عليهما، وقال "هذا هو كوشاننا". 
وفي إطار الشهادة نفسها، قال بن غوريون من جملة أشياء أخرى: "حقنا بالنسبة إلى فلسطين (سمّاها أرض إسرائيل) نابع لا من صك الانتداب البريطاني (1922) ووعد بلفور (1917) إنما هو سابق عليهما... التناخ هو صك انتدابنا، التناخ الذي كتبناه وبلغتنا العبرية وفي هذا البلد ذاته، هو هو انتدابنا. حقنا التاريخي قائم منذ تكوين الشعب اليهودي، ووعد بلفور وصك الانتداب أتيا للاعتراف بهذا الحقّ والمصادقة عليه. وقد ورد بوضوح في الوعد والصك الاعتراف بحق الشعب اليهودي في أن يقيم من جديد بيته القومي.. حقنا هذا ليس أمرا جديدا، ولا هو حقيقة تاريخية جديدة.. وصك الانتداب لم يقرّ أن حقنا مُنح عام 1917 أو عام 1922، بل تم الاعتراف بعلاقاتنا التاريخية مع أرض إسرائيل، وتمت المصادقة لأسباب أخرى على حقنا في أن نقيم من جديد بيتنا القومي، وفي أن نبني، مرة أخرى، أمرًا كان لنا في الماضي طوال تاريخ الشعب اليهوديّ. وعليه، ما جئنا كي نؤسسه هنا ليس أمرا جديدا قطّ

 

عن العربي الجديد

بقلم انطوان شلحت