صوت المسيحيين في الشرق

تصدر عن اللجنة الاعلامية في الرابطة السريانية

استثمار أردوغان لليتم الثقافي بقلم خالد سليمان ...

استثمار أردوغان لليتم الثقافي  بقلم خالد سليمان

 

منذ قدومه للسلطة، لم يتردد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الاستنجاد بسياسة تخصيب بيئة القائد المتفرّد والأوحد، تارة بالعودة إلى سيرة السلاطين وأخرى بالعودة إلى نصوص دينية، سورة «الفتح» تحديداً، مستعيداً بذلك صور صدام حسين وهو يستنجد بسورة «الأنفال» لإبادة الكرد عام 1988 حيناً، ويحمل القرآن بين يديه إبان محاكمته حيناً آخر.

أشاد أردوغان في حفل أقيم في القصر الرئاسي بأنقرة في 24/1/2018 بحماسة المواطنين في ذهابهم إلى المساجد لتلاوة «سورة الفتح» من أجل انتصار جيشه في الحرب التي يشنها على عفرين. وكانت رئاسة الشؤون الدينية التركية قد أصدرت بأوامر من السلطان الأحمر، تعليمات إلى أئمة أكثر من 9 آلاف جامع في البلاد بقراءة «سورة الفتح» قبيل صلاة العشاء والفجر في اليوم الذي شهد فيه بدء الحرب.

لم ينس في الحفل ذاته تحديد هدف تركيا المثالي في العدوان على عفرين وهو «التفاحة الحمراء» أو الطورانية، التي تسعى إلى توحيد الأتراك تحت امبراطورية واحدة كبرى. وتعود تسمية «الطورانية» إلى أنور باشا، أحد قياديي «جمعية الاتحاد والترقي» التي تأسست عام 1908، وهي اختصاراً، حركة سياسية عنصرية تركية نشأت في أواخر القرن التاسع عشر، تستهدف توحيد جميع أبناء العرق التركي لغوياً وثقافياً وسياسياً في وطن واحد. وإلى جانب هذه المخيلة القومية التي تسمى بالطورانية، يشكل التخصيب الديني العنصر الأهم في إعلاء الشأن القومي التركي. وليس لهذا الشأن جغرافية وطنية، فهو موزع بين بيئات ميتمة حضارياً وثقافياً في آسيا وأفريقيا وشرق أوروبا تنظر لها تركيا كمصدر من مصادر الطورانية دينياً.

ومن تلك البيئات الميتمة، جاء الأغرب في أمر تلاوة سورة الفتح، حيث أعلنت المجالس الدينية المسماة بـ «مجالس علماء الدين» والتي أنشأتها تركيا في أفريقيا وآسيا (بوركينا فاسو، تنزانيا، السودان، إندونيسيا)، تأييدها لأردوغان وأقامت الصلوات والأدعية لنصرة جيشه في الحرب على عفرين. لا يعرف مسلمو تلك البلدان أين تقع عفرين ومَن يسكنها وماذا يعتنقون ولماذا يهاجمها الجيش التركي، وقد لا يعرفون الفصل بين الكرد والترك، إنما لليتم الثقافي والحضاري والديني أحكام لم يكتشفها المستعمرون الأوروبيون لقرون، وقد عرف أردوغان كيف يستثمرها ويخصّب ما فيها من اليتم الديني.

لا يستنجد أردوغان بالجغرافيا الدينية للقضاء على أخرى غير دينية، بل للقضاء على جغرافيا هوياتية تقلق الدولة والمجتمع التركيين في العمق. فالكردي الذي استفاق يوماً من نومه ورأى بأنه ليس «أفندياً» تركياً كما تم تلقينه في المدارس، لا يعود لنومه مرة أخرى، بل يبدأ بالبحث عن ذاته وذاكرته ولغته التي لا يتقنها. أثناء كتابتي قصة صحافية عن حياة كاتب وصحافي كردي اسمه نجم الدين سالاس، وهو من مدينة وان في كردستان تركيا، عرفت أنه اكتشف كرديته حين قال أحد رفاقه في منظمة يسارية كانا ينتميان إليها، بأنه كردي وليس تركياً. لقد صدمه هذا الاكتشاف المتأخر حيث كان يبلغ من العمر حينها 18 سنة: «حزنت على نفسي، فأنا الذي تم تلقيني أن أكون فخوراً بتركيتي، تم تجريدي من هوية الافتخار خلال لحظات، وبقيت أسأل نفسي من أكون؟». وأوصله هذا السؤال إلى سجن ديار بكر المعروف بقسوة المعاملة حيث قضى أربع سنوات.

قصارى القول: يريد أردوغان، ومن خلال الدين والجغرافيا الدينية، تقوية استبداده عبر العالم الإسلامي الغارق في الفقر والتصدع الثقافي، في وحل حروب أهلية ومذهبية وطائفية بطبيعة الحال. وكما عرف هو كيف يجيّر رأي المؤسسة التركية الدينية لمصلحة سياساته وتأسيس عتبات الاستبداد الأولى المتمثلة بضرب المجتمع المدني والصحافة الحرة وتغيير مناهج التربية والتعليم الخ...، فقد لعبت المؤسسة ذاتها دوراً بالغ الأهمية في تخصيب «السلطانية الجديدة» في تركيا وعبرها.

 

 

* كاتب كردي عراقي

 

بقلم خالد سليمان